تشكل قضية الأسرى الفلسطينيين الأطفال في السجون الإسرائيلية واحدة من أكثر الملفات حساسية في المشهد الحقوقي الفلسطيني، نظرًا لارتباطها بفئة عمرية يفترض أن تكون في مقاعد الدراسة وبين أفراد عائلاتها، لا خلف القضبان وفي أروقة التحقيق، وبينما تتواصل عمليات الاعتقال بحق الأطفال الفلسطينيين، تتراكم الآثار الصحية والنفسية والاجتماعية الناجمة عن تجربة السجن، لتتجاوز حدود فترة الاحتجاز وتمتد إلى سنوات لاحقة من حياة هؤلاء الأطفال.
وتشير المعطيات المتوفرة لدى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى إلى وجود نحو 360 طفلًا فلسطينيًا داخل السجون الإسرائيلية، من بينهم 160 طفلًا صدرت بحقهم أحكام فعلية، فيما يقبع 90 طفلًا رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، بينما ينتظر الباقون استكمال إجراءات التقاضي أمام المحاكم العسكرية، ويتمركز معظم الأطفال الأسرى في سجني مجدو وعوفر داخل الأقسام المخصصة للأشبال.
وتأتي هذه الأرقام ضمن سياق أوسع من استهداف الأطفال الفلسطينيين بالاعتقال، حيث تجاوز عدد حالات اعتقال الأطفال منذ عام 1967 أكثر من 55,500 حالة اعتقال، فيما شهد العامان الأخيران وحدهما أكثر من 2000 حالة اعتقال لأطفال فلسطينيين، كما سُجلت خلال الفترة ذاتها حالات اعتقال لأطفال دون سن العاشرة، إلى جانب استمرار الغموض بشأن مصير عدد من الأطفال المفقودين من قطاع غزة، وسط تقديرات حقوقية ترجح وجود بعضهم في مراكز احتجاز أو تحقيق لم يُكشف عنها بشكل رسمي.
الاعتقال والتحقيق واستهداف الطفولة
تبدأ تجربة الاعتقال بالنسبة للأطفال الفلسطينيين غالبًا من خلال اقتحامات ليلية للمنازل، تترافق مع عمليات تفتيش وترويع للعائلات، قبل نقل الأطفال إلى مراكز التوقيف والتحقيق، وتمثل هذه المرحلة نقطة التحول الأولى في حياة الطفل المعتقل، حيث يجد نفسه معزولًا عن أسرته وبيئته الطبيعية في ظروف لا تنسجم مع احتياجاته العمرية والنفسية.
وخلال مراحل التحقيق، يواجه الأطفال مستويات مختلفة من الضغط النفسي والاستجواب المطول، فيما تشير إفادات حقوقية متكررة إلى تعرض بعضهم للتهديد أو الإهانة أو محاولات التأثير النفسي بهدف الحصول على معلومات أو اعترافات، كما برزت خلال السنوات الأخيرة شكاوى تتعلق بمحاولات ابتزاز بعض الأطفال واستغلال هشاشتهم النفسية أو ظروفهم العائلية ضمن ما يعرف بمحاولات الإسقاط الأمني والأخلاقي.
ولا تقف آثار هذه التجربة عند حدود فترة الاحتجاز، إذ تنعكس على الأطفال في صورة اضطرابات نفسية ومشكلات سلوكية وصعوبات تعليمية واجتماعية تستمر لفترات متفاوتة بعد الإفراج عنهم، ويُضاف إلى ذلك الحرمان من التعليم النظامي والانقطاع عن الحياة المدرسية والأنشطة الطبيعية التي تشكل جزءًا أساسيًا من تكوين الطفل ونموه.
الواقع المعيشي داخل السجون.. المرض والعقوبات وتقييد الحياة الدينية
خلال الأشهر الأخيرة تصاعدت التقارير المتعلقة بانتشار الأمراض الجلدية المعدية داخل السجون، وعلى رأسها مرض الجرب، السكابيوس، الذي انتقلت عدواه بين أعداد من المعتقلين نتيجة الاكتظاظ الشديد، وضعف إجراءات النظافة والتعقيم، ونقص المستلزمات الصحية الأساسية.
وتشير المعطيات إلى أن الأطفال الأسرى لم يكونوا بمنأى عن هذه الظروف، حيث ساهمت بيئة الاحتجاز المكتظة في تسريع انتقال العدوى، في وقت تتكرر فيه الشكاوى المتعلقة بتأخر تقديم العلاج أو محدودية الرعاية الصحية المتاحة داخل السجون، وتزداد خطورة هذه الظروف بالنسبة للأطفال باعتبارهم فئة عمرية تحتاج إلى رعاية صحية ومتابعة طبية خاصة.
كما تتقاطع الظروف الصحية الصعبة مع واقع معيشي أكثر تعقيدًا يتجلى في الاكتظاظ داخل الغرف، وضعف التهوية، ونقص الملابس والأغطية ومواد النظافة الشخصية، الأمر الذي يجعل من الحياة اليومية داخل السجن بيئة ضاغطة نفسيًا وجسديًا.
ولا تنفصل هذه الظروف عن سلسلة طويلة من الإجراءات العقابية التي تطال الأسرى الأطفال، حيث تتكرر عمليات اقتحام الأقسام من قبل وحدات القمع الخاصة، وما يرافقها من تفتيشات عنيفة وتخريب للمقتنيات الشخصية وإجراءات تنكيل جماعية، كما يواجه الأطفال عقوبات متعددة تشمل العزل الانفرادي لفترات متفاوتة، وفرض غرامات مالية باهظة على عائلاتهم، والحرمان من بعض الحقوق والاحتياجات الأساسية، إلى جانب عمليات النقل التعسفي المتكررة بين السجون والأقسام، وهي إجراءات تضيف أعباءً نفسية وإنسانية متراكمة على الأطفال وتزيد من حالة عدم الاستقرار التي يعيشونها داخل منظومة الاعتقال.
ولا تقتصر القيود المفروضة على الجوانب المعيشية والصحية، بل تمتد إلى الجوانب الدينية والروحية أيضًا، فالأطفال الأسرى يواجهون قيودًا متزايدة على ممارسة الشعائر الدينية الجماعية، خاصة خلال المناسبات الدينية والأعياد، حيث تُسجل حالات منع أو تضييق على التجمعات المرتبطة بالصلاة أو إحياء المناسبات الدينية داخل الأقسام، كما تُفرض أحيانًا إجراءات عقابية بحق الأسرى الذين يحاولون تنظيم أنشطة جماعية ذات طابع ديني، في إطار سياسة تستهدف الحد من أي مظاهر جماعية تعزز الروابط المعنوية بين المعتقلين.
الصلابة الجماعية ومحاولات الحفاظ على التماسك الداخلي
ورغم قسوة ظروف الاعتقال، تظهر بين الأسرى الأطفال أنماط لافتة من التكيف والتضامن الداخلي، فداخل الأقسام، تتشكل علاقات قائمة على التكافل والتعاضد وتقاسم الاحتياجات اليومية، سواء فيما يتعلق بالدعم المعنوي أو المساندة في مواجهة المرض أو التحديات المرتبطة بالحياة داخل السجن.
وتبرز بين الأطفال الأسرى محاولات مستمرة للحفاظ على روح الجماعة في مواجهة سياسات العزل والاستفراد، حيث تُظهر التجربة اليومية حرصًا على حماية زملائهم من الضغوط المختلفة، ومساندة الأسرى الجدد، وتخفيف الآثار النفسية المترتبة على الاعتقال، كما تنشأ أشكال من التعاون الداخلي تساعد على تعزيز الشعور بالأمان والانتماء داخل بيئة صممت أساسًا لتفكيك الروابط الإنسانية وإضعافها.
وفي موازاة معاناة الأطفال الأسرى، تعيش مئات العائلات الفلسطينية حالة دائمة من القلق والترقب على مصير أبنائها المعتقلين، خاصة أولئك الذين تعرضوا للاعتقال في سن مبكرة، فغياب المعلومات الكافية عن أوضاعهم الصحية والنفسية، وصعوبة التواصل معهم، وتواتر الأخبار المتعلقة بالأمراض والعقوبات داخل السجون، كلها عوامل تضاعف من مخاوف الأسر على أطفالها، كما تترك تجربة الاعتقال آثارًا اجتماعية ونفسية متبادلة على الأطفال وعائلاتهم معًا، حيث تواجه الأسر تحديات مستمرة في احتواء تداعيات الاعتقال، بينما يحاول الأطفال التكيف مع تجربة قاسية تتقاطع فيها مشاعر الخوف والحرمان والحنين إلى الحياة الطبيعية.
وتعكس هذه المظاهر درجة ملحوظة من الصلابة النفسية لدى الأطفال الأسرى، وقدرة على مقاومة الظروف المحيطة بهم عبر بناء شبكات دعم متبادلة تحافظ على التماسك الجماعي داخل الأقسام، وفي المقابل، تكشف هذه الصورة حجم التحديات التي تواجهها الطفولة الفلسطينية داخل السجون، حيث تتقاطع الاعتقالات والتحقيقات والمرض والحرمان مع محاولات مستمرة للحفاظ على الهوية والكرامة والروابط الإنسانية.
وفي ظل وجود 360 طفلًا فلسطينيًا داخل السجون الإسرائيلية، واستمرار تسجيل مئات حالات الاعتقال سنويًا، يبقى ملف الأسرى الأطفال أحد أكثر الملفات الحقوقية ارتباطًا بمستقبل المجتمع الفلسطيني، لما يتركه من آثار عميقة على جيل كامل ما زال في مراحل التكوين الأولى من حياته.
٤ يونيو ٢٠٢٦ م
اليوم الدولي للأطفال الأبرياء ضحايا العدوان
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى



