تشكل الحالة الصحية للطبيب الفلسطيني المعتقل في السجون الإسرائيلية، مراد وليد مراد القوقا مصدر قلق بالغ لعائلته وأسرته، في ظل ما تعرض له من تعذيب وسوء معاملة وإهمال طبي منذ اعتقاله من داخل مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، وما يعانيه حاليا من أمراض وإصابات تفاقمت بفعل ظروف الاحتجاز القاسية وحرمانه من العلاج اللازم.
والدكتور مراد القوقا، البالغ من العمر 47 عاما، استشاري جراحة العظام والعمود الفقري، ورئيس وحدة جراحة العظام والعمود الفقري في مجمع الشفاء الطبي، وقد أمضى سنوات طويلة في علاج المرضى وإنقاذ الجرحى والمصابين، وظل متمسكا برسالته الطبية والإنسانية رغم الظروف شديدة الخطورة التي عاشها قطاع غزة، ورفض مغادرة مرضاه أو التخلي عن واجبه تجاههم.
في 19 مارس 2024، اعتقلت قوات الاحتلال الدكتور القوقا خلال اقتحام مجمع الشفاء الطبي، بينما كان على رأس عمله يعالج المرضى والجرحى، حيث اقتيد مع عدد من أفراد الطواقم الطبية عقب حصار المستشفى واقتحامه، ولا يزال محتجزا منذ ذلك التاريخ.
وبحسب إفادة زوجته التي كانت في جنوب قطاع غزة وقت اعتقاله، بعدما قطعت العمليات العسكرية الطرق بينهما، ما حال دون رؤيته أو التواصل معه قبل اعتقاله، وقد وصل خبر اعتقاله إلى العائلة بصورة مفاجئة وصادمة، قبل أن تتلقى لاحقا معلومات من المحامي وشهادات أخرى حول تعرضه للضرب والتعذيب وسوء المعاملة.
وتفيد المعلومات المتوفرة بإصابة الدكتور القوقا إصابة خطيرة في منطقة العين أثرت على بصره، إلى جانب ما تعرض له من انتهاكات جسدية ونفسية خلال مراحل اعتقاله، كما يعاني من انزلاق غضروفي، وارتفاع في ضغط الدم، وقرحة في المعدة، وحرم من دواء الضغط لمدة شهرين أو أكثر، الأمر الذي يضاعف المخاطر التي تهدد صحته وحياته.
أما التدهور الجسدي الحاد، فيظهر بصورة واضحة في فقدانه نحو 45 كيلوغراما من وزنه، نتيجة التجويع والإهمال الطبي وظروف الاحتجاز القاسية، وهو ما يعكس حجم المعاناة التي يواجهها منذ اعتقاله.
ووفق آخر المعلومات المتاحة، يحتجز الدكتور القوقا في سجن النقب، بعد رحلة طويلة من التنقل بين عدد من السجون ومراكز الاحتجاز، رافقها تعرضه للتعذيب والأذى الجسدي والنفسي، وقد تمكن أحد المحامين من زيارته بعد فترات طويلة من الانقطاع، بينما لم تتمكن اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارته حتى الآن، في ظل القيود المشددة المفروضة على زيارات الأسرى والتواصل معهم.
ولم تتوقف تداعيات اعتقاله عند تدهور حالته الصحية، بل امتدت إلى أسرته التي تعرض منزلها لأضرار كبيرة خلال الحرب، وأصبح غير صالح للسكن، ما أجبر زوجته على النزوح أكثر من عشر مرات هربا من القصف المتواصل، قبل أن تستقر مؤقتا في غرفة داخل منزل والدها.
وتتكون أسرته الصغيرة من فردين، إلا أن مسؤوليات الدكتور القوقا كانت تتجاوز أسرته، إذ كان معيل أبناء إخوته الشهداء، وسندا رئيسيا لأفراد عائلته وأقاربه، ولذلك ترك غيابه فراغا كبيرا، وضاعف مشاعر الخوف والقلق وانعدام الأمان، في ظل شح المعلومات المتعلقة بوضعه الصحي ومصيره.
وبالنسبة إلى زوجته، فإن غياب اليقين يبقى الجانب الأكثر قسوة في هذه المعاناة، فلا موعد معروف لعودته، ولا معلومات منتظمة عن صحته، بل أخبار محدودة ومتباعدة لا تبدد مخاوفها، فيما تواصل انتظار الإفراج عنه وعودته سالما.
ولا تنفصل قضية الدكتور مراد القوقا عن واقع الأطباء الفلسطينيين المعتقلين، الذي يمثل واحدا من أخطر أوجه استهداف القطاع الصحي الفلسطيني منذ بدء حرب الإبادة، إذ لا يزال 16 طبيبا، إلى جانب عشرات العاملين في القطاع الصحي، محتجزين في سجون الاحتلال، بعدما اعتقل عدد منهم من داخل المستشفيات وأثناء تأدية واجبهم الإنساني في علاج الجرحى والمرضى.
وتكشف الشهادات الموثقة عن تعرض الأطباء المعتقلين للتعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل، فضلا عن حرمانهم من الزيارات والتواصل المنتظم مع عائلاتهم ومحاميهم، فيما يعاني عدد منهم من إصابات وأمراض مزمنة تفاقمت بفعل ظروف الاحتجاز وغياب الرعاية الطبية المناسبة.
ويمثل اعتقال الأطباء واستهدافهم اعتداء مباشرا على المنظومة الصحية الفلسطينية بأكملها، ولا تقتصر آثاره على المعتقلين وعائلاتهم، بل تحرم المدنيين من كفاءات طبية متخصصة يحتاجون إليها بصورة عاجلة، لا سيما في ظل الانهيار الواسع الذي أصاب المستشفيات والمراكز الصحية في قطاع غزة.
كما يعد اعتقال الدكتور مراد القوقا من داخل المستشفى، أثناء قيامه بواجبه الطبي، وما تبعه من تعذيب وحرمان من العلاج، انتهاكا جسيما لقواعد القانون الدولي الإنساني التي تكفل حماية الأطباء والعاملين في المجال الصحي، وتحظر استهدافهم بسبب قيامهم بواجبهم في علاج المرضى وإنقاذ الأرواح.
وفي ختام التقرير، يطالب المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، بتحرك عاجل للكشف عن الحالة الصحية الكاملة للدكتور القوقا، وتوفير العلاج اللازم له، وتمكين الصليب الأحمر والمحامين من زيارته بصورة منتظمة، والعمل على الإفراج الفوري عنه وعن جميع الأطباء والعاملين في القطاع الصحي المعتقلين.
ويؤكد المركز أن استمرار الصمت الدولي تجاه اعتقال الأطباء الفلسطينيين وتعذيبهم وحرمانهم من الرعاية الطبية يمنح الاحتلال غطاء لمواصلة انتهاكاته، ويعرض حياة المعتقلين لخطر حقيقي، في ظل ممارسات ممنهجة تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل والحرمان من التواصل مع العالم الخارجي.



