يرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن المرحلة المقبلة قد تكون من أخطر المراحل على حياة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال، في ظل استمرار حملات الاعتقال في الضفة الغربية، وتصاعد التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل والتنكيل داخل السجون، إلى جانب السياسات التي يقودها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، واقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
ويأتي استشهاد المعتقل إيهاب دياب من قطاع غزة ليعيد المخاوف بشأن حياة الأسرى إلى الواجهة، خاصة مع استمرار الغموض حول ظروف وفاة عدد من المعتقلين، وغياب المعلومات الكافية عن أوضاع عدد من أسرى قطاع غزة الذين عاش بعضهم فترات طويلة من الإخفاء وانقطاع التواصل مع عائلاتهم.
وتشير الأرقام المتداولة إلى وجود أكثر من 9600 أسير ومعتقل فلسطيني في سجون الاحتلال، بينهم أكثر من 3500 معتقل إداري، إلى جانب أكثر من ألف معتقل من قطاع غزة، فيما تشير تقارير حقوقية إلى تسجيل أكثر من 100 حالة وفاة داخل أماكن الاحتجاز منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
اعتقالات متواصلة واتساع دائرة الاستهداف
يتزامن هذا الواقع مع حملات اعتقال متواصلة في مدن وبلدات ومخيمات الضفة الغربية، حيث ينفذ جيش الاحتلال اعتقالات بصورة يومية تطال في بعض الأيام عشرات الفلسطينيين، إلى جانب اقتحام المنازل وتخريب محتوياتها والتحقيق الميداني والاعتداء على المواطنين خلال عمليات الاعتقال.
وهذا الاستمرار في الاعتقالات يعني دخول أعداد جديدة يوميا إلى منظومة احتجاز تعاني أصلا من الاكتظاظ والظروف القاسية، ويوسع دائرة الفلسطينيين المعرضين لما يجري داخل السجون من انتهاكات.
الشهادات تكشف واقعا يتكرر داخل السجون
ما يجري داخل سجون الاحتلال اليوم يتجاوز الحديث عن انتهاكات اعتيادية أو تجاوزات يقوم بها بعض السجانين، فالشهادات التي تصل إلى المركز من الأسرى المحررين وعائلات المعتقلين والمحامين تتحدث عن واقع متشابه في أكثر من مكان احتجاز، يقوم على الضرب والتعذيب والتجويع والعزل والإذلال والحرمان من العلاج والاحتياجات الأساسية.
وخلال الفترة الأخيرة وثق المركز شهادات لأسرى خرجوا بأجساد منهكة وبعد فقدان كبير في الوزن، فيما تحدث آخرون عن كسور وإصابات بقيت دون علاج، وانتشار الأمراض الجلدية، وقلة الطعام ورداءته، والحرمان من المياه والنظافة والملابس، إلى جانب التقييد لساعات طويلة والإهانات والاعتداءات المتكررة.
كما تتضمن بعض الشهادات روايات عن اعتداءات جنسية واستخدام الكلاب خلال عمليات القمع والتعذيب، وهي من أخطر ما يرد في شهادات المعتقلين، وتحتاج إلى تحقيق مستقل وجدي وعدم التعامل معها باعتبارها حوادث عابرة.
وتشابه هذه الشهادات رغم اختلاف أصحابها والسجون التي احتجزوا فيها يعطي مؤشرا واضحا على أن ما يحدث لا يمكن حصره في تصرفات فردية، بل أصبح نمطا متكررا داخل منظومة السجون.
المرضى والمصابون في دائرة الخطر
يشكل وضع الأسرى المرضى والمصابين أحد أكبر مصادر القلق خلال المرحلة الحالية، فالإهمال الطبي لم يعد مقتصرا على تأخير موعد أو فحص، بل تتحدث الشهادات عن أسرى يحرمون من الأدوية والفحوص والمتابعة الطبية، وإصابات وكسور تتفاقم دون علاج مناسب.
ويأتي ذلك بالتزامن مع نقص الغذاء ورداءة الوجبات المقدمة، وهو ما يضاعف الخطر على المرضى والمصابين وكبار السن، خاصة مع تسجيل حالات فقدان كبير في الوزن بين الأسرى.
إن اجتماع المرض والجوع والإصابة وغياب العلاج داخل بيئة احتجاز قاسية يرفع احتمالات التدهور الصحي، ويجعل أي تأخير في تقديم الرعاية خطرا حقيقيا على حياة الأسير.
أسرى غزة.. العزل والإخفاء وغياب المعلومات
يبقى أسرى قطاع غزة من أكثر الفئات التي تثير القلق، بسبب ما تعرضوا له من انقطاع طويل عن العالم الخارجي، وصعوبة وصول المحامين والمؤسسات إليهم، وغياب المعلومات عن أوضاع بعضهم لفترات طويلة.
وعاش عدد من المعتقلين شهورا لا يعرفون خلالها شيئا عن عائلاتهم وما حل بها خلال الحرب، وفي الوقت نفسه بقيت عائلات تنتظر أي معلومة عن مكان وجود أبنائها أو أوضاعهم الصحية.
وتزداد خطورة هذا الملف مع ظهور معلومات عن معتقلين توفوا داخل أماكن الاحتجاز دون أن تعلم عائلاتهم بمصيرهم في الوقت المناسب، ما يثير مخاوف حقيقية بشأن مصير معتقلين آخرين ما تزال المعلومات عنهم محدودة.
وهذا الغياب للمعلومة ليس مسألة إدارية فقط، بل يحمل معاناة نفسية قاسية للأسير وعائلته، ويجعل الكشف عن أسماء جميع معتقلي غزة وأماكن احتجازهم وأوضاعهم الصحية مطلبا لا يحتمل التأجيل.
سياسات بن غفير والمرحلة الانتخابية
لا يمكن فصل هذا التدهور عن السياسات التي يقودها إيتمار بن غفير تجاه الأسرى، وتصريحاته ودعواته المتكررة إلى تشديد ظروف اعتقالهم وتقليص حقوقهم، وما وفره هذا الخطاب من غطاء لمزيد من التضييق والتنكيل داخل السجون.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يخشى المركز من أن يتحول الأسرى إلى ورقة للمزايدات السياسية والحزبية، وأن تستخدم الدعوات إلى تشديد العقوبات وسلب المزيد من الحقوق لكسب أصوات التيارات الأكثر تطرفا.
ولا يعني ذلك أن كل إجراء جديد داخل السجون مرتبط بالانتخابات، لكن الخطاب السياسي القائم يجعل من الضروري مراقبة المرحلة المقبلة، خاصة مع احتمال تصاعد المنافسة في إظهار المزيد من التشدد تجاه الأسرى.
ويخشى المركز من أن يدفع ذلك نحو موجة جديدة من القمع والتضييق داخل السجون، في وقت يعاني فيه آلاف الأسرى أصلا من ظروف صحية ومعيشية صعبة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسجيل حالات استشهاد جديدة إذا استمر الوضع الحالي.
الشهادات يجب أن تتحول إلى ملفات للمحاسبة
الشهادات التي يقدمها الأسرى المحررون لا يجب أن تبقى قصصا تنشر ثم تنسى، بل من الضروري جمعها وتوثيقها وحفظ التقارير الطبية والصور والإفادات المرتبطة بها، وتحويلها إلى ملفات يمكن استخدامها في التحقيق والمساءلة.
وعندما تتكرر الروايات عن التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والإذلال من أسرى مختلفين وأماكن احتجاز متعددة، تصبح الحاجة أكبر إلى تحقيقات مستقلة تحدد ما حدث ومن أصدر الأوامر ومن نفذها ومن وفر الغطاء لها.
كما تقع على الإعلام مسؤولية كبيرة في إبقاء قضية الأسرى حاضرة، خاصة شهادات المحررين وأسرى غزة والمرضى، ونقل هذه الشهادات إلى الإعلام الدولي بلغات مختلفة حتى لا تبقى الانتهاكات داخل السجون بعيدة عن الرأي العام العالمي.
المطلوب دوليا
لم يعد كافيا إصدار بيانات القلق والإدانة، فالمطلوب وصول فعلي للجهات الدولية إلى السجون وأماكن الاحتجاز، ومقابلة الأسرى بصورة مباشرة وسرية بعيدا عن رقابة السجانين، والاطلاع على أوضاع المرضى والمصابين، وضمان حصولهم على العلاج والغذاء والاحتياجات الأساسية.
كما تبرز الحاجة إلى التحقيق في حالات الوفاة داخل الأسر، والكشف الكامل عن مصير معتقلي قطاع غزة، وتوثيق شهادات التعذيب بصورة مستقلة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وعدم توفير الحماية لأي شخص شارك فيها أو أصدر الأوامر بتنفيذها.
خلاصة التقدير
استشهاد إيهاب دياب لا ينبغي النظر إليه كحالة منفصلة عن الواقع داخل السجون، بل كإنذار جديد في ظل استمرار التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، وتدفق معتقلين جدد يوميا مع استمرار حملات الاعتقال في الضفة الغربية.
ويقدر المركز أن استمرار هذه الظروف، بالتزامن مع سياسات بن غفير ودخول إسرائيل مرحلة انتخابية، يجعل الأشهر المقبلة أكثر حساسية وخطورة على حياة الأسرى، وخاصة المرضى والمصابين وكبار السن ومعتقلي قطاع غزة.
مسؤولية حماية الأسرى لا تقع على عائلاتهم والمؤسسات الفلسطينية وحدها، فهناك مسؤولية قانونية وأخلاقية على المجتمع الدولي والمؤسسات المختصة، والمطلوب تحرك مبكر قبل تسجيل حالات استشهاد جديدة، وفتح السجون أمام الرقابة المستقلة، والتحقيق في الانتهاكات والوفيات، ومحاسبة المسؤولين عنها.
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى
12 أغسطس 2026



