الطبيب المعتقل مروان الهمص يواجه خطرًا صحيًا متفاقمًا داخل سجون الاحتلال في ظل الحرمان من الدواء والتجويع والعزل

حذّر المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى من التدهور الخطير في الحالة الصحية والإنسانية للطبيب الفلسطيني المعتقل د. مروان الهمص، مدير المستشفيات الميدانية في وزارة الصحة بقطاع غزة، والمحتجز حاليًا في سجن ريمون بعد أشهر من الاعتقال القاسي والتحقيق المطوّل والحرمان الممنهج من العلاج والدواء والتواصل مع عائلته.

وقال المركز إن استمرار اعتقال الطبيب الهمص، وهو من أبرز الكوادر الطبية التي واصلت أداء واجبها المهني والإنساني في ذروة العدوان والانهيار الصحي في قطاع غزة، يشكّل نموذجًا صارخًا لاستهداف الاحتلال الإسرائيلي للمنظومة الصحية الفلسطينية، ليس فقط عبر قصف المستشفيات وتدميرها ومنع إدخال الإمدادات الطبية، بل أيضًا عبر ملاحقة الأطباء واعتقالهم وإخضاعهم لظروف احتجاز قاسية تهدد حياتهم بشكل مباشر.

وبحسب المعلومات التي تلقاها المركز، فإن الطبيب مروان الهمص محروم منذ شهر شباط/فبراير من دواء القلب الذي يحتاجه، ما يثير مخاوف جدية من تعرضه لمضاعفات صحية مفاجئة وخطيرة داخل السجن، خاصة في ظل غياب المتابعة الطبية المناسبة، ورداءة ظروف الاحتجاز، وسياسة الإهمال الطبي المتعمّد التي باتت سمة بارزة في تعامل قوات السجون الإسرائيلية مع الأسرى الفلسطينيين، وخصوصًا أسرى قطاع غزة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وأكد المركز أن حرمان أسير مريض من دواء القلب لفترة طويلة يعد شكلا من أشكال التعذيب البطيء والقتل الصامت والمؤجل، خصوصًا عندما يكون الأسير محتجزًا في بيئة مغلقة وقاسية، محرومًا من التغذية الكافية والرعاية الطبية والتواصل مع العالم الخارجي.

وتشير المعطيات الواردة للمركز إلى أن الطبيب الهمص فقد نحو 20 كيلوغرامًا من وزنه منذ اعتقاله، إذ انخفض وزنه إلى نحو  69 كيلوغرامًا، في مؤشر واضح على تعرضه لسياسة تجويع وحرمان وتنكيل مستمر، ويرى المركز أن هذا الفقدان الكبير في الوزن، إلى جانب منعه من دواء القلب، يضع حياته أمام خطر حقيقي، ويتطلب تدخلًا عاجلًا من المؤسسات الدولية الطبية والحقوقية قبل فوات الأوان.

وكان الطبيب مروان الهمص قد تعرّض للاختطاف ومعه ابنته الممرضة تسنيم، من قبل قوة إسرائيلية خاصة أثناء وجوده في مهمة عمل مرتبطة بواجبه الطبي والإنساني في 21 تموز/يوليو 2025 حيث كان في طريقه إلى مهمة عمل قرب مستشفى اللجنة الدولية للصليب الأحمر الميداني في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، بعد مسيرة طويلة في إدارة مستشفيات غزة وخدمة الجرحى والمرضى في ظروف بالغة التعقيد حيث بقي على رأس عمله رغم التهديد الذي طال المئات من الكوادر الطبية العاملة.

وقال المركز إن اختطاف طبيب وهو على رأس عمله أو أثناء توجهه لأداء مهمة طبية يمثل انتهاكًا خطيرًا للحماية التي يجب أن يتمتع بها العاملون في القطاع الصحي بموجب القانون الدولي الإنساني، ويكشف عن سياسة ممنهجة تهدف إلى تفريغ قطاع غزة من طواقمه الطبية الفاعلة، ومعاقبة الأطباء الذين بقوا في مواقعهم لخدمة المرضى والجرحى رغم القصف والحصار وانهيار الإمكانيات.

وأوضح المركز أن الطبيب الهمص خضع لتحقيق قاسٍ ومكثف في سجن عسقلان استمر 43 يومًا متواصلة، بما يقارب 1000 ساعة من الضغط والتحقيق المتواصل، في ظروف تمثل انتهاكًا فادحًا لأبسط معايير الكرامة الإنسانية والضمانات القانونية، واعتبر المركز أن هذا النوع من التحقيق المطوّل، حين يقترن بالحرمان من العلاج والغذاء والتواصل، يدخل في إطار المعاملة القاسية واللاإنسانية، ويهدف إلى كسر إرادة المعتقل واستنزافه جسديًا ونفسيًا.

وأشار المركز إلى أن الطبيب الهمص لا يُعامل كأسير عادي، بل يتعرض لما وصفه المركز بـ”معاملة خاصة قاسية” تستهدف كينونته الشخصية والمهنية والرمزية، في محاولة للانتقام منه بسبب دوره الطبي والإنساني خلال العدوان على قطاع غزة؛ فاستهداف طبيب بهذا المستوى لا يمكن فصله عن السياق الأوسع الذي تعرضت فيه المستشفيات الفلسطينية وطواقمها للتدمير والملاحقة والاعتقال والقتل، في مشهد يعكس رغبة الاحتلال في معاقبة كل من حاول إنقاذ الحياة وسط الموت.

وأضاف المركز أن الطبيب الهمص هو واحد من بين  18 طبيبًا فلسطينيًا معتقلين في السجون الإسرائيلية، وفق المعلومات المتوفرة لدى المركز، فيما تحدثت تقارير حقوقية وإعلامية دولية عن أرقام أوسع تشمل مئات العاملين الصحيين من قطاع غزة الذين تعرضوا للاعتقال منذ بداية الحرب، وقد نقلت تقارير دولية عن منظمات حقوقية أن أعدادًا كبيرة من الكوادر الطبية الفلسطينية، بينهم أطباء وأخصائيون، محتجزون في ظروف قاسية، مع ورود شهادات عن التعذيب والحرمان من الرعاية الطبية وسوء المعاملة.

وأكد المركز أن اعتقال الأطباء لا يستهدف الأفراد وحدهم، بل يضرب حق المجتمع الفلسطيني بأكمله في العلاج والحياة؛ فكل طبيب يُعتقل من غزة يعني مزيدًا من الضغط على منظومة صحية منهكة، ومزيدًا من المرضى بلا أطباء، ومزيدًا من الجرحى بلا فرصة نجاة، ومن هنا، فإن قضية الطبيب مروان الهمص ليست قضية فردية فقط، بل هي قضية قطاع صحي كامل يتعرض للتفكيك والاستنزاف.

وشدد المركز على أن ظروف احتجاز الطبيب الهمص تجمع بين التجويع، والحرمان، ومنع الدواء، ومنع التواصل مع العائلة، والتحقيق القاسي، والعزل النفسي، وسوء المعامل. وهذه العناصر مجتمعة تشكل بيئة قاتلة، لا سيما حين يتعلق الأمر بأسير مريض بالقلب ومحروم من أدويته الأساسية منذ أشهر، كما أن منع التواصل مع العائلة يضاعف من معاناة الأسير وذويه، ويحرمهم من أبسط حق إنساني في الاطمئنان على حياته وصحته ومكان احتجازه وظروفه.

وقال المركز إن الاحتلال يستخدم العزل وقطع التواصل كأداة ضغط نفسي وانتقام، حيث تعيش عائلة الطبيب الهمص حالة قلق دائم ومفتوح على كل الاحتمالات، في ظل غياب المعلومات الدقيقة والمستمرة عن وضعه الصحي، ولا يمكن تصور حجم المعاناة التي تعيشها عائلة تعرف أن ابنها أو زوجها أو والدها مريض ومحروم من دوائه، ولا تستطيع الوصول إليه أو سماع صوته أو الاطمئنان عليه.

وأضاف المركز أن ما يتعرض له الطبيب مروان الهمص يشبه في جوهره ما يتعرض له عدد من الأطباء الفلسطينيين المعتقلين، وعلى رأسهم الطبيب حسام أبو صفية وغيره من الكوادر الطبية التي تحولت إلى رموز للصمود المهني والإنساني في وجه حرب استهدفت الإنسان والمكان والمؤسسة الطبية معًا، وذكرت تقارير صحفية أن عائلات أطباء معتقلين من غزة تحدثت عن صدمات الاختطاف، وغياب التواصل، والخوف على مصير ذويهم داخل السجون الإسرائيلية. 

ويرى المركز أن استمرار اعتقال الطبيب مروان الهمص، بعد اختطافه من ميدان عمله الطبي، وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، الذي لا يزال عاجزًا عن توفير حماية حقيقية للطواقم الطبية الفلسطينية، رغم كثافة التقارير والشهادات التي توثق استهداف القطاع الصحي في غزة؛ فالصمت الدولي أمام اعتقال الأطباء وحرمانهم من العلاج لا يعني الحياد، بل يمنح الاحتلال مزيدًا من الغطاء للاستمرار في هذه السياسة الخطيرة.

ودعا المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى منظمة أطباء بلا حدود ومنظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان وكافة المؤسسات الطبية والحقوقية الدولية إلى تفعيل قضية الطبيب مروان الهمص بشكل عاجل، وعدم التعامل معها كخبر عابر أو ملف مؤجل، مطالبا هذه المؤسسات بالتحرك الفوري للكشف عن وضعه الصحي، والضغط من أجل تمكينه من الحصول على دواء القلب، وإجراء فحص طبي مستقل له، وضمان تواصله مع عائلته ومحاميه، والعمل على إطلاق سراحه وسراح بقية الأطباء والكوادر الطبية المعتقلين.

كما طالب المركز بفتح تحقيق دولي مستقل في ظروف اعتقال الطبيب الهمص والتحقيق معه وحرمانه من العلاج، وفي مجمل الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الأطباء داخل السجون الإسرائيلية، محذرًا من أن أي تدهور مفاجئ في حالته الصحية ستكون مسؤوليته المباشرة على سلطات الاحتلال وإدارة السجون الإسرائيلية، وعلى المجتمع الدولي الذي يملك أدوات الضغط لكنه لم يستخدمها حتى الآن بما يكفي لحماية المعتقلين المرضى.

وأكد المركز أن القانون الدولي الإنساني يفرض حماية خاصة على العاملين في القطاع الطبي، ولا يجوز استهدافهم أو اعتقالهم بسبب قيامهم بواجبهم المهني في علاج الجرحى والمرضى، موضحا أن حرمان المعتقل من العلاج والدواء والتغذية الكافية والتواصل مع عائلته يشكل انتهاكًا صارخًا للمعايير الدولية الخاصة بمعاملة الأسرى والمحتجزين.

وختم المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى تقريره بالتأكيد على أن الطبيب مروان الهمص ليس رقمًا في قائمة طويلة من المعتقلين، بل هو طبيب وإنسان وأب وصاحب رسالة، اختار أن يبقى في ميدان الواجب الطبي في أصعب الظروف، فكان جزاؤه الاختطاف والتحقيق والتجويع والحرمان من الدواء مشدد على أن إنقاذ حياته مسؤولية عاجلة، والصمت على استمرار اعتقاله بهذه الظروف مشاركة غير مباشرة في الخطر المحدق به.

وحمّل المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى سلطات الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن حياة الطبيب مروان الهمص وسلامته الجسدية والنفسية، ودعا إلى أوسع حملة تضامن محلية ودولية للمطالبة بالإفراج عنه وعن كافة الأسرى الأطباء والكوادر الطبية المعتقلة، ووقف سياسة الانتقام من أصحاب الرسالة الإنسانية الذين لم يحملوا سوى أدوات الطب، ولم يقفوا إلا إلى جانب الجرحى والمرضى والمحتاجين للحياة.