يحذر المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى من الخطر الفوري والداهم الذي يهدد حياة الطبيب المعتقل د. حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، في أعقاب المعلومات الخطيرة التي كشفت عنها جمعية أطباء لحقوق الإنسان، استنادًا إلى إفادة محاميه الأستاذ ناصر عودة، بعد زيارته الأخيرة له في الثاني من تموز/يوليو الجاري داخل قسم التحقيقات تحت الأرض المعروف باسم ركيفت في سجن نيتسان بالرملة.
إن المعطيات الواردة بشأن الحالة الجسدية والنفسية للدكتور أبو صفية تمثل إنذارًا بالغ الخطورة، فالرجل الذي اختُطف من موقعه الطبي والإنساني، والمحتجز منذ 27 كانون الأول/ديسمبر 2024 دون تهمة ودون محاكمة، بات اليوم في مواجهة خطر حقيقي على حياته، بعد نقله إلى قسم سري تحت الأرض، وسط شهادات تؤكد تعرضه للضرب والتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من العلاج.
وبحسب إفادة المحامي ناصر عودة، فقد أُحضر الدكتور أبو صفية إلى الزيارة وهو مقيّد اليدين والقدمين، ومحاط بمجموعة من السجانين الملثمين، بينما ظهرت على جسده إصابات وكدمات حديثة وخطيرة في الرأس وحول العينين والأذنين والرقبة، إلى حد أن محاميه واجه صعوبة في التعرف عليه، وخلال الزيارة بدا في حالة إنهاك شديد، عاجزًا عن التنفس بصورة طبيعية، وغير قادر على الحديث بشكل متواصل أو الجلوس بثبات دون أن يفقد توازنه، وظهر في أكثر من لحظة وكأنه على وشك فقدان الوعي.
إن التعامل مع الدكتور حسام أبو صفية داخل السجون الإسرائيلية يجري وفق طريقة الميليشيات والعصابات، لا وفق أي قانون أو إجراء قضائي أو قاعدة إنسانية، فالتقييد والإخفاء والعزل والضرب اليومي والتهديد والحرمان من العلاج، كلها أدوات انتقام وتصفية حسابات يمارسها الاحتلال بحق طبيب فلسطيني تحول إلى شاهد حي على استهداف المنظومة الصحية في قطاع غزة.
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى يرى أن الاحتلال يقوم بتصفية الحسابات مع الدكتور أبو صفية بسبب رمزيته الطبية والإنسانية، وبسبب صموده في مستشفى كمال عدوان خلال واحدة من أبشع مراحل استهداف القطاع الصحي، ولذلك فإن ما يجري بحقه ليس حادثًا منفصلًا أو تجاوزًا فرديًا، بل سياسة انتقامية منظمة تستهدف كسره جسديًا ونفسيًا وإسكات صوته.
إن شهادة الدكتور أبو صفية لمحاميه، والتي قال فيها إنه يتعرض منذ نقله إلى قسم ركيفت للعنف والضرب بصورة يومية، وأنه فقد وعيه عدة مرات دون تلقي العلاج المناسب، تكشف عن نمط خطير من التعذيب الجسدي والنفسي، وعن تصعيد متعمد قد يدفعه نحو الانهيار الكامل أو تصفيته داخل السجن تحت غطاء العزل والتحقيق.
وإذ يستنكر المركز ما ورد على لسان الدكتور أبو صفية لمحاميه، حين قال: هذه آخر مرة ستراني فيها، لقد أحضروني إلى هنا لكي يقتلوني، لا أرى نفسي حيًا، هذه هي النهاية، فإنه يعتبر هذه الكلمات نداء استغاثة أخيرًا من داخل زنزانة التعذيب، ورسالة مباشرة إلى العالم بأن حياة طبيب فلسطيني أعزل باتت مهددة بالاغتيال البطيء داخل سجون الاحتلال.
المركز يحذر بصورة واضحة من أن ما يحدث مع الدكتور حسام أبو صفية هو مقدمة لاغتياله، سواء عبر التعذيب المباشر أو الإهمال الطبي أو العزل أو تركه فريسة للضرب والإنهاك وفقدان الوعي، ويحمل سلطات الاحتلال وقوات السجون المسؤولية الكاملة والمباشرة عن حياته وسلامته الجسدية والنفسية.
إن نقل الدكتور أبو صفية إلى قسم ركيفت داخل سجن نيتسان، بعد فترة من العزل الانفرادي في سجن غانوت، وفي أعقاب الإجراءات القانونية المتعلقة بالطعن في استمرار اعتقاله، يأتي في سياق تصعيد خطير يرقى إلى مستوى الانتقام من أسير مارس حقه القانوني في الاعتراض على احتجازه دون تهمة أو محاكمة.
ويؤكد المركز أن استمرار احتجاز الدكتور حسام أبو صفية بموجب قانون ما يسمى احتجاز المقاتلين غير الشرعيين، دون توجيه أي تهمة إليه ودون فتح أي إجراءات جنائية بحقه، يمثل انتهاكًا صارخًا لأبسط مبادئ العدالة، ويكشف أن اعتقاله لا يستند إلى مسار قانوني حقيقي، بل إلى سياسة احتجاز تعسفي وانتقام من الكوادر الطبية الفلسطينية.
إن ما يتعرض له الدكتور أبو صفية لا ينفصل عن سياسة أوسع تستهدف الأطباء والكوادر الصحية الفلسطينية، حيث تحولت المنظومة الطبية في قطاع غزة إلى هدف مباشر للاحتلال، عبر القصف والتدمير والاعتقال والتعذيب، في محاولة لكسر من تبقى من شهود الجريمة ومنقذي الأرواح داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
إن الاحتلال يحاول جاهدًا حرف الأنظار عن قضية الدكتور حسام أبو صفية، وعن قضية أكثر من عشرة آلاف أسير وأسيرة في سجونه، فالمأساة التي يعيشها أبو صفية هي وجه مكثف لما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من تعذيب وتجويع وحرمان وعزل وإهمال طبي، وليست قضية فردية معزولة عن الجريمة الأوسع بحق الحركة الأسيرة.
وفي ضوء هذه التطورات الخطيرة، يطالب المركز بشكل عاجل وفوري بإخراج الدكتور حسام أبو صفية من قسم ركيفت في سجن نيتسان، ونقله إلى مكان آمن تتوفر فيه الرعاية الطبية، والسماح بإجراء فحص طبي مستقل وعاجل له، وتمكين محاميه وعائلته والجهات الحقوقية من الاطلاع على وضعه، وإجراء زيارة فورية من جهة قضائية ورسمية مستقلة لمعاينة حالته قبل فوات الأوان.
كما يدعو المركز منظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأطباء بلا حدود، وأطباء لحقوق الإنسان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمقررين الخاصين في الأمم المتحدة، إلى تحرك عاجل وغير مؤجل، يضع حياة الدكتور أبو صفية وقضية الأسرى الفلسطينيين في صدارة الأولويات، ويفرض رقابة دولية فعلية على ظروف احتجاز الأطباء والأسرى والأسيرات داخل السجون الإسرائيلية.
إن الصمت على ما يجري بحق الدكتور حسام أبو صفية لم يعد موقفًا محايدًا، بل غطاء غير مباشر لاستمرار التعذيب، فحين يقول أسير طبيب لمحاميه إنه لا يرى نفسه حيًا، وحين يصل إلى الزيارة مصابًا ومختنقًا وعلى وشك فقدان الوعي، فإن العالم يصبح أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية عاجلة لا تحتمل البيانات الباردة ولا الانتظار.
ختامًا، يؤكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن حياة الدكتور حسام أبو صفية في خطر فوري، وأن كل دقيقة تمر داخل قسم ركيفت قد تحمل تهديدًا جديدًا على حياته، وعليه فإن التحرك الدولي العاجل لم يعد خيارًا بل واجبًا، قبل أن يتحول التحذير إلى مأساة، وقبل أن يدفع طبيب فلسطيني آخر حياته ثمنًا لصمت العالم وتقاعسه.
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى
السبت 4 يوليو 2026م



