الأطفال الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية: بين واقع الاعتقال وتصاعد الانتهاكات والسياسات التنكيلية

تقرير خاص صادر عن المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى بمناسبة يوم الأسير الفلسطيني حول الواقع الاعتقالي للأطفال الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

مع اقتراب السابع عشر من نيسان/أبريل، يوم الأسير الفلسطيني، تتضح ملامح واقع أكثر قسوة يعيشه الأطفال الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، في ظل تصاعد مستمر في سياسات الاعتقال والاستهداف التي لم تعد تستثني هذه الفئة العمرية، بل باتت تطالها بشكل مباشر ومنتظم.

يوثق المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى وجود نحو 350 طفلًا فلسطينيًا داخل السجون الإسرائيلية، بينهم 159 طفلًا محكومين، وقرابة 90 طفلًا رهن الاعتقال الإداري دون تهمة، فيما يواجه الباقون إجراءات قضائية مطوّلة، ويتوزع هؤلاء على عدد من مراكز الاحتجاز، أبرزها سجنا “مجدو” و”عوفر”، في ظروف لا تراعي خصوصيتهم العمرية أو احتياجاتهم الأساسية.

هذه المعطيات تشير إلى اتساع دائرة اعتقال الأطفال بشكل لافت خلال السنوات الأخير فقد تجاوز عدد حالات اعتقال الأطفال الفلسطينيين منذ عام 1967 أكثر من 55,500 حالة، فيما سُجل بعد أكتوبر 2023 أكثر من 1700 حالة اعتقال في الضفة الغربية، إلى جانب اعتقال عشرات الأطفال من قطاع غزة في ظروف شابها الإخفاء القسري وغياب المعلومات حول مصير العديد منهم.

وتبدأ رحلة الاعتقال غالبًا خلال ساعات الفجر، عبر اقتحامات عنيفة للمنازل، تتخللها عمليات ترويع واعتداء، قبل اقتياد الأطفال مقيدين ومعصوبي الأعين. وفي هذا السياق، يروي الطفل “ق.ن” وفق إفادة وثقتها جهة حقوقية، أنه تعرض للضرب منذ اللحظة الأولى لاعتقاله، واستمر ذلك خلال نقله بين نقاط عسكرية مختلفة، قبل أن يُحتجز في قسم مكتظ يفتقر لأبسط الاحتياجات.

وخلال النقل والاحتجاز الأولي، يُترك الأطفال لساعات طويلة دون طعام أو ماء، في بيئة يسودها الخوف والارتباك، ما يترك آثارًا نفسية حادة منذ البداية. وتتعمق هذه المعاناة في مراكز التحقيق، حيث يُخضع الأطفال لجلسات استجواب طويلة في غياب الضمانات القانونية، ويُحرمون من حضور محامٍ أو أحد من ذويهم، وتُستخدم بحقهم أساليب ضغط تشمل العزل، والحرمان من النوم، والتهديد.

شهادات موثقة لانتهاكات جسيمة
يشير الطفل “م.ص “بحسب توثيق مركز حقوقي إلى أنه خضع لتحقيق استمر لأسابيع، قبل نقله إلى مكان احتجاز يعاني فيه من نقص حاد في المستلزمات الأساسية، واضطراره للنوم في ظروف غير ملائمة، في ظل غياب أي مراعاة لسنّه أو حالته.

كما توثق معطيات المركز اعتماد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على محاولات الإسقاط الأمني والأخلاقي بحق الأطفال، من خلال استغلال صغر سنهم وهشاشتهم النفسية، حيث يُمارس بحقهم ابتزاز متعدد الأشكال، يتضمن التهديد أو الإيهام بتقديم تسهيلات مقابل التعاون، أو استغلال معلومات شخصية وعائلية للضغط عليهم.

وفي بعض الحالات، تُستخدم أساليب خداع نفسي، عبر خلق بيئة تحقيق توهم الطفل بالأمان قبل استدراجه، في محاولة لكسر إرادته أو دفعه للإدلاء بمعلومات.

ويؤكد الطفل” أ.خ “وفق شهادة موثقة أن تجربته في التحقيق كانت قائمة على التقييد المستمر والضغط المتواصل، إلى جانب اقتحامات متكررة لأماكن احتجازهم واستخدام العنف بشكل مباشر.

داخل السجون، تتخذ المعاناة أبعادًا أكثر قسوة، حيث يُحتجز الأطفال في غرف مكتظة، يضطر بعضهم للنوم على الأرض، مع نقص واضح في الأغطية والملابس، وشح في الغذاء والمياه، إلى جانب قيود صارمة على الحركة والاستحمام، وفي هذا السياق، يوضح الطفل “ف.ش” من قطاع غزة وفق شهادة نقلتها مؤسسة حقوقية، أنه احتُجز في منشأة عسكرية لفترة طويلة في ظروف وصفها بالقاسية، حيث كان الطعام قليلًا وغير كافٍ، والمياه محدودة، مع قيود صارمة على الحركة، دون أي معاملة تراعي كونه طفلًا.

الأطفال المرضى
ويُعد ملف الأطفال المرضى من أخطر جوانب هذا الواقع، إذ يُحرم العديد منهم من العلاج اللازم، أو يتم تأجيله لفترات طويلة، في ظل قوائم انتظار لإجراء عمليات جراحية قد تمتد لأكثر من عام كامل، دون أي ضمان لإجرائها. وفي كثير من الحالات، يتم الاكتفاء بمسكنات مؤقتة، دون تشخيص دقيق أو متابعة طبية حقيقية، ما يؤدي إلى تفاقم الحالات الصحية.

كما يتعرض الأطفال إلى سياسات تجويع ممنهج، من خلال تقليص كميات الطعام ورداءة نوعيته، بما لا يلبي احتياجاتهم اليومية، ما يؤدي إلى تدهور تدريجي في حالتهم الصحية، خاصة في ظل هذه المرحلة العمرية الحساسة. وتتفاقم هذه الأوضاع مع الإهمال الطبي المستمر، وحرمانهم من المكملات الغذائية والرعاية اللازمة.

وقد رصد المركز انتشار أمراض جلدية، مثل الجرب، بين الأطفال، نتيجة انعدام النظافة ونقص المياه، في ظل غياب الرعاية الصحية الفعلية.

ولا تقف المعاناة عند حدود السجون، إذ يعاني الأطفال من الحرمان من الزيارات العائلية لفترات طويلة، أو إخضاعها لإجراءات معقدة تجعلها عبئًا نفسيًا على الطفل وعائلته. وعندما تتم الزيارة، تكون محاطة بقيود مشددة، ما يحولها إلى تجربة مرهقة بدل أن تكون مصدر دعم.

وفي سياق موازٍ، يواصل الاحتلال توسيع سياسة الحبس المنزلي بحق الأطفال، خاصة في مدينة القدس المحتلة، حيث يُجبر مئات الأطفال على البقاء داخل منازلهم لفترات طويلة، تتحول خلالها المنازل إلى أماكن احتجاز مغلقة، يُحرم فيها الطفل من التعليم والحياة الطبيعية، وتترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة.

كما يبرز غياب واضح لمؤسسات فلسطينية متخصصة تعنى بالأطفال المعتقلين، سواء على صعيد الدعم النفسي أو المتابعة القانونية، ما يترك الأطفال يواجهون آثار الاعتقال دون برامج تأهيل كافية، ويضاعف من حجم التأثيرات طويلة المدى عليهم.

الآثار النفسية على اعتقال الأطفال
وتشير المعطيات إلى تسجيل حالات اعتداء جسيم بحق الأطفال خلال الاحتجاز، في بيئات مغلقة تفتقر لأي رقابة مستقلة، ما يعزز المخاوف حول سلامتهم الجسدية والنفسية حيث يرصد المركز ما يخلفه الاعتقال من آثار نفسية عميقة ومركبة، تبدأ منذ لحظة الاعتقال وما يرافقها من عنف وترويع، وتمتد إلى ما بعد الإفراج عنهم.

إذ يعاني العديد من الأطفال من اضطرابات حادة بعد الإفراج، مثل القلق المستمر، والخوف، وفقدان الإحساس بالأمان، إلى جانب نوبات التوتر والكوابيس واضطرابات النوم، كما تظهر لدى بعضهم أعراض الانطواء والعزلة الاجتماعية، وصعوبة التعبير عن المشاعر، نتيجة ما تعرضوا له من ضغوط نفسية وجسدية داخل السجون ومراكز التحقيق وتنعكس هذه الحالة بشكل مباشر على سلوكهم اليومي، حيث يواجهون صعوبة في بناء علاقات اجتماعية طبيعية أو استعادة الثقة بالآخرين.

ويؤدي ذلك إلى إعاقة اندماجهم في المجتمع، خاصة في البيئات التي لا توفر دعمًا نفسيًا كافيًا، ومع استمرار هذه الآثار دون تدخل متخصص، تتحول إلى عبء طويل الأمد يؤثر على مستقبل الطفل واستقراره النفسي، كما يواجه العديد منهم صعوبة في تجاوز تجربة الاعتقال، ما يجعلها حاضرة في تفاصيل حياتهم اليومية حتى بعد مرور وقت طويل على الإفراج.

تحديات مواصلة التعليم
كما يواجه الأطفال الفلسطينيون المعتقلون في السجون الإسرائيلية، بعد الإفراج عنهم، تحديات كبيرة في العودة إلى التعليم، نتيجة الانقطاع الطويل عن الدراسة خلال فترة الاعتقال، ويؤدي هذا الانقطاع إلى فجوات معرفية واضحة، تجعل من الصعب عليهم مواكبة المناهج الدراسية أو الاندماج مع أقرانهم في الصفوف الدراسية، كما تؤثر الحالة النفسية التي يخرج بها الطفل من الاعتقال على قدرته على التركيز والاستيعاب، ما ينعكس على أدائه الأكاديمي، ويشعر العديد منهم بالاغتراب داخل البيئة المدرسية، نتيجة اختلاف تجربتهم عن بقية الطلبة، وما يحمله ذلك من ضغوط نفسية إضافية، وفي بعض الحالات، يؤدي ذلك إلى التسرب من التعليم أو فقدان الدافعية للاستمرار فيه.

كما تفتقر المؤسسات التعليمية في كثير من الأحيان إلى برامج متخصصة لإعادة تأهيل هؤلاء الأطفال ودمجهم تدريجيًا في النظام التعليمي، ويجعل ذلك عودة الطفل إلى الدراسة مسارًا صعبًا ومعقدًا، يتطلب دعمًا متكاملًا غير متوفر بشكل كافٍ.

وفي ضوء ذلك، يؤكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن واقع الأطفال المعتقلين يعكس مستوى متصاعدًا من الانتهاكات التي تمس مختلف مراحل حياتهم، من لحظة الاعتقال وحتى داخل السجون، في ظل غياب الحماية الفعلية، واستمرار السياسات التي تستهدف هذه الفئة بشكل مباشر ما يلقي بمسؤولية مضاعفة على المؤسسات الفلسطينية والحقوقية لتقوم بدور فعال في متابعة الآثار الناجمة عن اعتقال الآلاف من الأطفال الفلسطينيين.