كشف تقرير صادر عن المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي واصلت خلال عام ٢٠٢٥ استخدام سياسة الاعتقال الإداري على نطاق واسع في الضفة الغربية، حيث يقبع آلاف الفلسطينيين رهن الاحتجاز دون توجيه تهم أو محاكمة، من بينهم صحفيون وكتّاب ومؤثّرون وطلبة جامعات، في ما وصفه التقرير بسياسة ممنهجة للضبط والسيطرة ذات آثار خطيرة على المجتمع الفلسطيني.
ويهدف التقرير الذي أعده علاء الشريف، الباحث الرئيس في المركز، إلى تحليل سياسات الاحتجاز في الضفة الغربية، مع التركيز على الاعتقال الإداري كآلية ضبط أمني ممتدة، ودراسة تأثيراته البنيوية على المجتمع الفلسطيني.
ويُعدّ الاعتقال الإداري أحد أكثر أنماط الاحتجاز إثارةً للجدل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ يقوم على احتجاز الأفراد دون توجيه تهمة محددة ودون تقديمهم لمحاكمة، استناداً إلى ما تُسمّيه سلطات الاحتلال “ملفاً سرياً” لا يُتاح للمعتقل أو لمحاميه الاطلاع عليه. وفي الضفة الغربية، يُطبَّق هذا الإجراء بموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية، ولا سيما الأمر العسكري رقم ١٦٥١، الذي يمنح القائد العسكري صلاحية إصدار أوامر اعتقال لمدة تصل إلى ستة أشهر قابلة للتجديد المتكرر.
خلال عام ٢٠٢٥، استمر الاعتقال الإداري بوصفه أداة مركزية في منظومة الاحتجاز الإسرائيلية، ولم يُسجَّل أي تراجع جوهري في نطاق استخدامه. فقد تراوح عدد المعتقلين الإداريين الفلسطينيين على مدار العام بين نحو ٣٣٠٠ و٣٦٠٠ معتقل، وهو مستوى مرتفع يعكس توجهاً مستقراً مقارنة بسنوات سابقة، ويؤشر إلى طابع بنيوي لهذه السياسة وليس إلى إجراء استثنائي أو مؤقت.
وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الإحصاءات المتداولة تُدرج المعتقلين الإداريين ضمن الأعداد الإجمالية للمعتقلين الفلسطينيين لدى إسرائيل، والتي تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة معاً، الأمر الذي يفرض تحديات منهجية عند محاولة الفصل الدقيق الخاص بالضفة الغربية وحدها. ومع ذلك، يظل الاتجاه العام واضحاً في ما يتعلق باستمرار الاستخدام المكثف للاعتقال الإداري.
من حيث الفئات المستهدفة، أظهرت معطيات عام ٢٠٢٥ أن الاعتقال الإداري لم يقتصر على فئة محددة، بل شمل نشطاء سياسيين وطلبة جامعات وصحفيين وكتّاباً وأسرى محررين، إضافةً إلى نساء وأطفال. وغالباً ما استندت أوامر الاعتقال إلى مبررات عامة تتعلق بـ“الاشتباه بوجود خطر أمني مستقبلي”، دون ربطها بأفعال محددة أو اتهامات جنائية واضحة، ما يحدّ بصورة كبيرة من قدرة المعتقلين على الدفاع عن أنفسهم أو الطعن الفعلي في قانونية احتجازهم.
وخلال العام نفسه، برز استهداف الصحفيين والكتّاب والمؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفه أحد أوجه هذه السياسة، في سياق يبدو مرتبطاً بمحاولة ضبط الفضاء العام والسيطرة على إنتاج المعرفة والرأي والتأثير المجتمعي. فقد استخدم الاعتقال الإداري بحق عاملين في المجال الإعلامي والفكري دون توجيه تهم واضحة، الأمر الذي خلق حالة من الردع المسبق، لم تقتصر آثارها على الأفراد المعتقلين، بل امتدت إلى مجمل الحقل الإعلامي والثقافي الفلسطيني.
كما شمل الاستهداف طلبة الجامعات، ولا سيما المنخرطين في الأطر الطلابية أو الأنشطة العامة داخل الحرم الجامعي، وهو ما يشكّل مساساً مباشراً بالحق في التعليم وحرية التنظيم، ويسهم في تقويض الدور التاريخي للجامعات الفلسطينية بوصفها فضاءات للنقاش الأكاديمي وإنتاج الوعي الاجتماعي والسياسي.
وقد أثارت هذه السياسة انتقادات حقوقية واسعة، لا سيما في ما يتعلق بتعارض الاعتقال الإداري مع معايير المحاكمة العادلة المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان. فالمراجعة القضائية لأوامر الاعتقال غالباً ما تتم في جلسات مغلقة، وتعتمد على مواد لا يُسمح للدفاع بالاطلاع عليها، ما يُفرغ الرقابة القضائية من مضمونها الحقيقي.
وفي هذا السياق، يسلّط التقرير الضوء على دور المحاكم العسكرية الإسرائيلية في ترسيخ سياسة الاعتقال الإداري، من خلال ما يمكن توصيفه بحالة من التواطؤ البنيوي مع أجهزة الأمن. فعلى الرغم من الطابع القضائي الشكلي لإجراءات المراجعة، تُظهر الممارسة العملية أن هذه المحاكم نادراً ما تشكّل آلية رقابة فعّالة على قرارات الاعتقال، إذ تعتمد في الغالب على روايات الأجهزة الأمنية والمواد السرّية المقدَّمة من قبلها، دون إخضاعها لاختبار حقيقي لمعايير الضرورة أو التناسب. ويؤدي هذا النهج إلى تحويل السلطة القضائية من جهة رقابية مستقلة إلى أداة تُضفي غطاءً قانونياً على قرارات أمنية مسبقة، ما يقوّض مبدأ المحاكمة العادلة ويُفرغ الفصل بين السلطات من مضمونه. كما أن المصادقة شبه التلقائية على أوامر الاعتقال وتجديدها المتكرر تعكس خللاً هيكلياً في دور القضاء العسكري، وتسهم في إدامة سياسة الاحتجاز الإداري بوصفها إجراءً دائماً لا يخضع لمساءلة قضائية حقيقية.
إضافةً إلى ذلك، فإن الطابع المفتوح زمنياً للاعتقال الإداري، نتيجة إمكانية تجديد أوامر الاحتجاز مرات متتالية، يخلّف آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية عميقة على المعتقلين وعائلاتهم، ويمتد أثره إلى المجتمع الفلسطيني ككل، مساهماً في حالة من عدم الاستقرار وتقويض الثقة بالمنظومة القانونية.
خاتمة وتوصيات
يخلص التقرير إلى أن سياسة الاعتقال الإداري في الضفة الغربية خلال عام 2025 لم تعد إجراءً استثنائياً، بل تحوّلت إلى أداة احتجاز ممنهجة وطويلة الأمد تُستخدم ضمن منظومة أوسع للضبط والسيطرة، وتطال فئات فاعلة في المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك الصحفيون والكتّاب والمؤثّرون وطلبة الجامعات.
وانطلاقاً من ذلك، يوصي المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى بما يلي:
١. إنهاء سياسة الاعتقال الإداري باعتبارها شكلاً من أشكال الاحتجاز التعسفي المخالف للقانون الدولي.
٢. وقف التجديد المتكرر لأوامر الاعتقال ووضع سقف زمني واضح لأي احتجاز دون تهمة.
٣. ضمان الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة، بما يشمل تمكين المعتقلين ومحاميهم من الاطلاع على الأدلة.
٤. الوقف الفوري لاستخدام الاعتقال الإداري بحق الصحفيين والكتّاب والعاملين في المجال الإعلامي والفكري.
٥. حماية المؤثّرين على وسائل التواصل الاجتماعي من الاحتجاز التعسفي بسبب نشاطهم الرقمي أو تعبيرهم السلمي.
٦. وقف استهداف طلبة الجامعات وضمان حقهم في التعليم وحرية التنظيم داخل الحرم الجامعي.
٧. وقف اعتقال النساء والأطفال إدارياً لما يشكله ذلك من انتهاك جسيم لحقوق الفئات المحمية.
٨. دعوة المجتمع الدولي وهيئات الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات جدية للضغط من أجل وقف هذه السياسة.
٩. تعزيز جهود التوثيق والمساءلة القانونية واعتبار الاعتقال الإداري، بما في ذلك دور القضاء العسكري في إدامته، سياسة ممنهجة تستوجب المحاسبة.
١٠. تطوير برامج الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي للمعتقلين الإداريين المحررين وعائلاتهم.
ختاماً، يؤكد المركز أن التصدي لسياسة الاعتقال الإداري يتطلب مقاربة شاملة تحمي الفضاء المدني وحرية التعبير والرأي، وتضع حداً لاستخدام الاحتجاز الإداري كأداة دائمة للضبط والسيطرة، بما يصون كرامة الإنسان الفلسطيني وحقوقه الأساسية.


