ورقة تقدير موقف: غياب التمثيل القانوني لأسرى قطاع غزة يترك المعتقل وحيدا أمام منظومة احتجاز مغلقة

يرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن غياب التمثيل القانوني الفعلي والمنتظم لأسرى قطاع غزة يمثل واحدا من أخطر جوانب واقع الاعتقال منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لأن حرمان المعتقل من الوصول إلى محام لا يمس حقه في الدفاع عن نفسه فقط، بل يقطع واحدة من أهم وسائل الحماية التي يمكن من خلالها معرفة مكان وجوده وحالته الصحية وما يتعرض له داخل السجن.

وعلى مدار نحو ثلاثة أعوام، عاش عدد كبير من معتقلي غزة فترات طويلة بعيدا عن عائلاتهم والمحامين والمؤسسات الدولية، فيما بقيت عائلات تبحث عن أبنائها دون معلومات واضحة، وفي حالات موثقة لم تعرف الأسرة مكان الاحتجاز إلا بعد تدخل قانوني وتقديم طلبات رسمية لتحديد مكان المعتقل، ووثقت مؤسسة هموكيد احتجاز مئات من سكان غزة بمعزل عن العالم الخارجي وفي أماكن مجهولة خلال مراحل مختلفة من الحرب.
ولا يمكن النظر إلى غياب المحامي باعتباره مشكلة قانونية منفصلة، فهو يرتبط مباشرة بغياب المعلومة، وانقطاع المعتقل عن عائلته، وصعوبة توثيق الانتهاكات، وتأخر معرفة المرض والإصابة، وضعف قدرة المعتقل على الاعتراض على استمرار احتجازه أو معرفة الأساس الذي يستند إليه الاحتلال في إبقائه خلف القضبان.

-“المقاتل غير الشرعي” مسار قانوني يبقي المعتقل بعيدا عن المحاكمة
تتعامل إسرائيل مع أعداد كبيرة من معتقلي قطاع غزة بموجب ما يسمى قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، وهو تصنيف قانوني إسرائيلي مثير لاعتراضات حقوقية جدية، وتعتبر هموكيد أن القانون ينشئ فئة لا وجود لها بهذه الصورة في القانون الدولي، ويحرم المحتجزين من ضمانات أساسية يفترض أن يتمتع بها الأشخاص المحرومون من حريتهم.

وتظهر أحدث البيانات المنشورة عن شهر سبتمبر/أيلول 2026 وجود 1,393 معتقلا تصنفهم إسرائيل ضمن “المقاتلين غير الشرعيين”، من بين 9,329 أسيرا ومعتقلا فلسطينيا مدرجين في بيانات قوات السجون الإسرائيلية.

ويرى المركز أن استخدام هذا الوصف بحق معتقلي غزة لا يمكن أن يكون مبررا لسلب ضماناتهم الأساسية أو إبقائهم لمدد طويلة دون محاكمة جنائية، خاصة أن هذا المسار يسمح باستمرار الاحتجاز استنادا إلى مواد قد تبقى سرية، ويضع المعتقل أمام صعوبة حقيقية في معرفة الأدلة المستخدمة ضده والرد عليها.

والمشكلة هنا لا تتعلق بالمصطلح وحده، بل بما يترتب عليه عمليا، فالمعتقل قد يبقى لأشهر طويلة أو أكثر دون لائحة اتهام جنائية، بينما تظل قدرته على الوصول إلى المحامي ومعرفة الملف المستخدم لتبرير استمرار احتجازه محدودة.

-المحامي ليس مجرد ممثل أمام المحكمة
بالنسبة إلى أسير من قطاع غزة، لا يمثل المحامي شخصا يتابع ملفه أمام المحكمة فقط، بل قد يكون أول إنسان من خارج منظومة السجن يراه منذ أسابيع أو شهور.

ومن خلال الزيارة يستطيع المحامي معرفة ما إذا كان المعتقل مريضا أو مصابا، والاستماع إلى شكواه بشأن الضرب أو التعذيب أو التجويع أو ظروف الاحتجاز، ونقل معلومات عنه إلى عائلته، والمطالبة بعلاجه، وتوثيق ما تعرض له، ومعرفة وضعه القانوني والطعن في استمرار احتجازه.
ولهذا فإن منع المحامي أو تأخير وصوله لا يحرم الأسير من الدفاع القانوني فقط، بل يحجبه عن واحدة من الوسائل القليلة المتبقية لإيصال صوته إلى الخارج.

وتصبح هذه المسألة أكثر خطورة بالنسبة إلى أسرى قطاع غزة في ظل انقطاع الزيارات العائلية وغياب التواصل المباشر مع عائلاتهم، ففي حالات كثيرة يصبح المحامي هو الشخص الوحيد القادر على القول للعائلة إن ابنها موجود في مكان محدد، وإنه رآه وتحدث إليه ويستطيع نقل معلومات عن حالته.

-العائلة قد توكل محاميا.. لكن هل يستطيع الوصول إلى الأسير؟
واجهت عائلات معتقلي قطاع غزة قيودا شديدة على قدرتها على الوصول القانوني الفعلي إلى أبنائها، فحتى عندما تتمكن العائلة من التواصل مع محام وتوكيله على نفقتها الخاصة، لا يعني ذلك تلقائيا أن المحامي يستطيع معرفة مكان المعتقل أو زيارته.

وبعد أشهر من الحرب، وفي مايو/أيار 2024، وفرت إسرائيل للمرة الأولى بريدا إلكترونيا لتقديم طلبات تنسيق لقاءات المحامين مع معتقلي غزة، وجاء ذلك بعد تحركات والتماسات قضائية قدمتها هموكيد، فيما كانت إسرائيل قبل ذلك تمتنع عن تقديم معلومات مباشرة للعائلات حول أماكن وجود المعتقلين، كما سمحت التعديلات الطارئة في مراحل من الحرب بمنع لقاء المعتقل بمحام لفترات طويلة.

وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن فقط في قدرة الأسرة المالية على توكيل محام، وإنما في قدرة ذلك المحامي على الوصول فعليا إلى موكله، فحق التوكيل يصبح محدود القيمة إذا بقي مكان المعتقل مجهولا، أو رفض طلب الزيارة، أو تأخر تنسيقه، أو كان المعتقل خاضعا لقرار يمنعه من لقاء محام.

ومن هنا يرى المركز ضرورة الفصل بين وجود محام يحمل توكيلا باسم الأسير وبين وجود تمثيل قانوني حقيقي ومنتظم يستطيع من خلاله المحامي مقابلة موكله سرا، والاطلاع على وضعه، ومتابعة ملفه، والاعتراض على استمرار احتجازه.

-عائلات تبحث عن أبنائها منذ سنوات
من أقسى جوانب هذا الملف أن أعدادا كبيرة من عائلات معتقلي قطاع غزة مرت خلال السنوات الثلاث الماضية بفترات طويلة لم تعرف خلالها مكان أبنائها بصورة مباشرة ومستقرة، واضطرت عائلات إلى البحث بين المؤسسات والمحامين والجهات الحقوقية للوصول إلى معلومة عن مكان المعتقل.

وتشير هموكيد إلى أنها أصبحت عمليا إحدى القنوات الرئيسية التي يلجأ إليها الفلسطينيون في غزة لمعرفة أماكن أقاربهم المعتقلين، لأن المعلومات لا تقدم بصورة مباشرة إلى العائلات، كما وثقت حالات لأشخاص شوهدوا بالقرب من القوات الإسرائيلية أو في عهدتها ثم عجزت الجهات الإسرائيلية عن تحديد مكانهم لاحقا.

وبالنسبة إلى العائلة، فإن عدم معرفة مكان ابنها ليس مسألة إدارية، فالأم تريد أن تعرف إن كان ابنها حيا، والأب يريد أن يعرف إن كان مريضا أو مصابا، والزوجة والأطفال ينتظرون أي اتصال أو خبر، وقد تمر شهور دون زيارة أو مكالمة أو معلومة مباشرة.

ويضاعف غياب المحامي هذا القلق، لأن إحدى أهم القنوات التي يمكن أن تجيب عن هذه الأسئلة تصبح هي الأخرى مغلقة أو محدودة.

-جلسة عبر شاشة كل ستة أشهر لا تكفي وحدها
وبموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”، يخضع أمر الاحتجاز الدائم لمراجعة قضائية أمام قاضي المحكمة المركزية الإسرائيلية، ثم تجرى مراجعة دورية كل ستة أشهر طالما استمر الاحتجاز، وهو ما تؤكده أيضا الجهات الإسرائيلية في شرحها للإجراءات المتبعة بموجب القانون.

كما مددت إسرائيل خلال 2026 ترتيبات طوارئ تنص على إجراء جلسات وإجراءات قضائية تخص هؤلاء المعتقلين عبر تقنية الفيديو، وهي إجراءات انتقدتها منظمات حقوقية باعتبار أن ظهور المعتقل عبر شاشة يحد من قدرة القاضي على تكوين صورة مباشرة عن حالته الجسدية والنفسية.

وتصل إلى المؤسسات الحقوقية إفادات عن محدودية مشاركة بعض المعتقلين في هذه الجلسات، ولذلك يرى المركز أن مجرد ظهور الأسير أمام شاشة مرة كل عدة أشهر لا يشكل بحد ذاته ضمانة كافية إذا لم يستطع الحديث بحرية عن ظروف احتجازه، ومعرفة الأساس المستخدم ضده، والحصول على مساعدة قانونية حقيقية تمكنه من الاعتراض على استمرار اعتقاله.

فالمراجعة القضائية الحقيقية لا تقاس فقط بعقد الجلسة، وإنما بقدرة المعتقل على الدفاع عن نفسه، ومعرفة ما ينسب إليه، والتواصل مع محاميه، وتقديم اعتراضاته دون خوف، وحصول القاضي على صورة كاملة عن ظروف احتجازه ووضعه الصحي.

-من غياب المحامي إلى غياب المعلومة
هناك علاقة مباشرة بين التمثيل القانوني والقدرة على معرفة مكان المعتقل، فالعائلة تحتاج إلى المحامي للوصول إلى ابنها، والمحامي يحتاج إلى معرفة مكان المعتقل حتى يستطيع زيارته، وإذا كان مكان الاحتجاز مجهولا أو كان المعتقل ممنوعا من لقاء المحامي تبدأ دائرة مغلقة يصعب كسرها.

وقد ربطت الآلية التي أعلنت عنها إسرائيل لتنسيق بعض لقاءات المحامين الحصول على معلومات بشأن مكان المعتقل بإجراءات ترتيب الزيارة، بحيث يصبح التنسيق القانوني نفسه إحدى الطرق لمعرفة مكان وجوده.

وهنا يظهر حجم الخلل، لأن معرفة مكان الإنسان الذي حرم من حريته يجب ألا تعتمد أساسا على نجاح محام أو مؤسسة حقوقية في ملاحقة الجهات المختلفة، بل يجب تسجيل المعتقل منذ اللحظة الأولى، وتحديد مكان احتجازه وإبلاغ عائلته ومحاميه بأي عملية نقل تجري له.

-غياب الرقابة يزيد الخطر على حياة الأسير
كلما طال غياب المحامي، تأخر اكتشاف الإصابة أو المرض أو سوء المعاملة، وتأخر تقديم الشكوى وطلب الفحص الطبي، كما تصبح عملية توثيق ما تعرض له المعتقل أكثر صعوبة بعد مرور أسابيع أو شهور.

وتزداد خطورة ذلك في ظل الشهادات المتكررة التي خرجت من السجون والمعسكرات خلال السنوات الماضية عن الضرب والتجويع والتقييد والإهمال الطبي والحرمان من النظافة والعزل، إذ يصبح المعتقل الذي لا يراه محام ولا عائلة ولا جهة دولية أكثر عزلة وأقل قدرة على طلب الحماية.

لهذا يجب ألا تأتي زيارة المحامي فقط بعد انتشار معلومات عن تدهور صحة أسير أو تعرضه للاعتداء، بل ينبغي أن تكون حقا منتظما منذ بداية الاعتقال، لأن وظيفة المحامي هنا ليست توثيق الانتهاك بعد وقوعه فقط، وإنما المساهمة في منع استمرار المعتقل بعيدا عن أي رقابة مستقلة.

-البعد الإنساني “رأيته وهو حي”
قد تبدو زيارة المحامي في الأوراق إجراء قانونيا عاديا، لكنها بالنسبة إلى عائلة في قطاع غزة يمكن أن تحمل معنى مختلفا تماما.

بعد شهور من الانتظار، قد تكون عبارة بسيطة من المحامي مثل “رأيته اليوم وهو حي” أول خبر مؤكد تحصل عليه الأسرة عن ابنها.

وفي الجهة الأخرى قد يكون الأسير نفسه لا يعرف ماذا جرى لعائلته خلال الحرب، وهل بقي منزله قائما، وهل والده ووالدته وزوجته وأطفاله ما زالوا على قيد الحياة، وفي بعض الحالات يصبح المحامي أول شخص يحمل إليه خبرا عن أسرته.

لهذا فإن عزل الأسير عن محاميه وعائلته يخلق معاناة تتجاوز الملف القانوني، ويضع الطرفين في انتظار متبادل، الأسرة لا تعرف ماذا حدث لابنها، والأسير لا يعرف ماذا حدث لعائلته.

-تقدير المرحلة المقبلة
يقدر المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن استمرار غياب التمثيل القانوني المنتظم سيبقي أسرى قطاع غزة ضمن الفئات الأكثر عرضة للعزل والانتهاكات، حتى لو طرأ تحسن جزئي في بعض الزيارات أو الإجراءات.

وأي حديث عن استعادة الرقابة الإنسانية داخل السجون لن يكون كافيا ما لم يترافق مع ضمان وصول المحامين بصورة منتظمة إلى جميع معتقلي غزة، ومعرفة أماكنهم، وتمكينهم من اللقاء السري معهم دون رقابة السجانين ودون تعرض المعتقل للتهديد أو الانتقام بعد انتهاء الزيارة.

كما أن أي عودة لزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر يجب أن تكمل دور المحامين ولا تحل محله، فزيارة الصليب الأحمر لها وظيفة إنسانية ورقابية، بينما يمثل المحامي حق المعتقل في الدفاع والمتابعة القانونية، والأسير يحتاج إلى المسارين معا.

ويرى المركز أن استمرار العمل بقانون “المقاتلين غير الشرعيين” بالصورة التي تطبق على معتقلي غزة سيبقي الباب مفتوحا أمام احتجاز طويل دون محاكمة ويزيد أهمية وجود تمثيل قانوني مستقل يستطيع متابعة كل حالة بصورة منفردة.

-المطلوب
يرى المركز أن معالجة هذا الملف تبدأ بإنشاء سجل كامل ومحدث لجميع معتقلي قطاع غزة، يتضمن مكان وتاريخ اعتقال كل شخص، والجهة التي تحتجزه، ومكان وجوده الحالي، ووضعه القانوني والصحي، مع إبلاغ عائلته ومحاميه فورا بأي عملية نقل بين السجون أو المعسكرات.

كما يجب ضمان حق كل معتقل في الاستعانة بمحام منذ بداية احتجازه، ورفع القيود التي تعطل هذا الحق، وتمكين العائلات من اختيار المحامين وتوكيلهم، وضمان أن يكون لهذا التوكيل أثر فعلي يسمح للمحامي بمعرفة مكان موكله وزيارته بصورة منتظمة وسرية ومتابعة وضعه الصحي والقانوني.

ويطالب المركز بأن تكون المراجعة القضائية لاحتجاز أسرى غزة مراجعة حقيقية وليست إجراء شكليا عبر شاشة، وأن يتمكن المعتقل من الحديث بحرية أمام القاضي، والتشاور مع محاميه، ومعرفة الأساس الذي يستند إليه استمرار احتجازه والطعن فيه بصورة فعالة.

كما يدعو المؤسسات القانونية الفلسطينية إلى إنشاء آلية موحدة لمتابعة معتقلي غزة، بحيث يكون لكل معتقل ملف قانوني ومحام مسؤول عن متابعته، وقاعدة بيانات توثق مكان احتجازه والزيارات التي تلقاها ووضعه الصحي والإجراءات القضائية المتعلقة به، بدلا من أن تبقى المتابعة مرتبطة بقدرة كل عائلة على البحث بصورة منفردة.

وتقع على الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية الدولية مسؤولية الضغط لضمان الوصول القانوني الكامل إلى معتقلي قطاع غزة، ومتابعة الحالات التي يمنع فيها المحامون من الزيارة، والكشف عن مصير المعتقلين الذين لا تعرف عائلاتهم أماكن وجودهم.

وخلاصة تقدير المركز أن غياب التمثيل القانوني عن أسير قطاع غزة لا يعني غياب المحامي فقط، بل يعني غياب أحد أهم الشهود المستقلين على وضعه، وانقطاع قناة أساسية تنقل صوته إلى عائلته والعالم، وإضعاف قدرته على الاعتراض على احتجازه أو المطالبة بعلاجه أو توثيق ما يتعرض له، وبينما يظهر المعتقل كل عدة أشهر أمام شاشة لمراجعة استمرار احتجازه، قد تبقى عائلته على بعد عشرات الكيلومترات لا تعرف أين يوجد ولا تستطيع الوصول إليه، لذلك فإن ضمان محام فعلي لكل معتقل من قطاع غزة، منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، يجب أن يكون من أولويات أي تحرك حقوقي وقانوني خلال المرحلة المقبلة.

المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى