الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي: تقرير واقع الاعتقال والانتهاكات خلال عام ٢٠٢٦

منذ بداية عام 2026، لم يشهد واقع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي أي تحسن على مستوى أوضاعهم القانونية أو ظروف احتجازهم، بل استمرت معاناتهم في ظل واحدة من أشد المراحل قسوة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط تصاعد التعذيب والتهديدات والاعتداءات الجنسية والحرمان من الرعاية الصحية الأساسية، وما يترتب على ذلك من مخاطر مباشرة تهدد حياتهم.

ويرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن الحقوق الأساسية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، والضمانات المقررة لهم بموجب القانون الدولي الإنساني، ظلت خلال عام 2026 عرضة لتهديدات متزايدة، سواء بفعل التشريعات التي أقرتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، أو نتيجة الانتهاكات الجسدية والنفسية التي تمارسها إدارة سجون الاحتلال بحقهم.

ويؤكد المركز أن السياسات القائمة داخل السجون الإسرائيلية لم تعد تقتصر على سلب الحرية، بل باتت تشكل تهديدًا مستمرًا لحياة الأسرى وسلامتهم الجسدية والنفسية.

 أولًا: أعداد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين وأوضاعهم القانونية

بلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين المحتجزين لدى إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي، خلال شهر يونيو/حزيران 2026، نحو 9200 أسير ومعتقل، من بينهم أكثر من 1500 معتقل من قطاع غزة.

وبالتوازي مع حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، تواصل سلطات الاحتلال توظيف منظومة الاعتقال والاحتجاز على نطاق واسع بحق الشعب الفلسطيني.

وتزداد صعوبة تحديد الأعداد الحقيقية للمعتقلين وأوضاعهم القانونية، في ظل توقف سلطات الاحتلال عن نشر معلومات كانت متاحة سابقًا، أو فرض قيود مشددة على الوصول إليها، الأمر الذي يجعل البيانات المتوافرة محدودة وقابلة للتغيير.

ويُحتجز معظم الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية إما على ذمة إجراءات التحقيق والمحاكمة، أو بموجب أوامر الاعتقال الإداري. وقد تراوح عدد المعتقلين الإداريين خلال العام بين نحو 3100 و3550 معتقلًا، فيما ارتفع عدد المحتجزين بموجب تصنيف «المقاتلين غير الشرعيين» إلى نحو 1400 معتقل خلال عام 2026.

وخلال النصف الأول من العام، ارتفع عدد الأسيرات الفلسطينيات إلى نحو 100 أسيرة، من بينهن نساء حوامل.

كما بلغ عدد الأطفال الفلسطينيين المحتجزين لدى سلطات الاحتلال نحو 380 طفلًا خلال النصف الأول من عام 2026، ويُحتجز بعضهم بموجب تصنيف «المقاتل غير الشرعي»، الذي يحرمهم من ضمانات الحماية الأساسية المكفولة لهم بموجب القانون الدولي الإنساني.

ووفقًا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاع المسلح (S/2026/357)، الذي يغطي انتهاكات عام 2025، تحققت الأمم المتحدة من احتجاز 981 طفلًا فلسطينيًا، من بينهم 973 فتى و8 فتيات.

ومن بين هؤلاء، اعتقلت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية 978 طفلًا بذريعة ارتكاب مخالفات أمنية، توزعوا على النحو التالي: 182 طفلًا في القدس الشرقية، و782 طفلًا في مناطق أخرى من الضفة الغربية، و14 طفلًا في قطاع غزة.

كما أشار التقرير إلى أن 180 طفلًا فلسطينيًا كانوا رهن الاعتقال الإداري دون توجيه تهم أو محاكمة حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، إضافة إلى سبعة أطفال نُقلوا من قطاع غزة واحتُجزوا بموجب تصنيف «المقاتلين غير الشرعيين».

ثانيًا: الاعتقال الإداري.. احتجاز تعسفي دون تهمة أو محاكمة

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي استخدام سياسة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين، بما يسمح باحتجازهم دون توجيه تهم رسمية أو تقديمهم إلى محاكمة، مع حرمان المعتقلين ومحاميهم من الاطلاع على الأدلة التي تستند إليها أوامر الاعتقال.

وتُجدد أوامر الاعتقال الإداري بصورة متكررة استنادًا إلى ما يسمى «الملف السري»، الأمر الذي يُبقي المعتقلين في حالة احتجاز مفتوح المدة، دون معرفة واضحة بمصيرهم القانوني، ودون محاكمة أو ضمانات إجرائية عادلة.

ويرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن الاستخدام الإسرائيلي واسع النطاق للاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين يشكل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، ويحول هذه السياسة إلى أداة ممنهجة لسلب الحرية وتقويض الضمانات القانونية الأساسية.

ومن بين الحالات التي وثقها المركز ومؤسسات أخرى:

– الأسير عبد السلام أبو الهيجا: اعتُقل إداريًا منذ أغسطس/آب 2022، وأُفرج عنه في أغسطس/آب 2026. وخلال فترة اعتقاله، توفيت والدته، ليجد نفسه بعد الإفراج عنه مضطرًا لزيارة قبرها بدلًا من لقائها، في مشهد يعكس الآثار الإنسانية القاسية لسياسة الاعتقال الإداري على الأسرى وعائلاتهم.

– المعتقل محمد جهاد الشوربجي (24 عامًا): من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، اعتقلته قوات الاحتلال أثناء عودته من جمهورية مصر العربية عبر معبر رفح البري.

– الأسيرة أحلام اشتية: حُولت إلى الاعتقال الإداري في مايو/أيار 2026، عقب اقتحام قوات الاحتلال منزلها والعبث بمحتوياته، واحتُجزت لمدة أربعة أشهر دون تقديم مسوغ قانوني لاعتقالها.

– الأسير معتصم تيسير سمارة: من قرية صرة في محافظة طولكرم، يخضع للاعتقال الإداري منذ ديسمبر/كانون الأول 2022، حيث جُدد أمر اعتقاله لمدة أربعة أشهر إضافية.

-الأسيرة الصحفية بشرى الطويل: جددت سلطات الاحتلال أمر اعتقالها الإداري لمدة أربعة أشهر إضافية، في ظل استمرار تعرضها لسوء المعاملة داخل السجون.

– أوامر اعتقال إداري جديدة: أصدرت سلطات الاحتلال مؤخرًا أوامر اعتقال إداري جديدة، وجددت أوامر قائمة بحق 15 أسيرًا فلسطينيًا من مناطق مختلفة في الضفة الغربية، لمدد تراوحت بين ثلاثة وستة أشهر.

وتعكس هذه الحالات استمرار اعتماد سلطات الاحتلال على الاعتقال الإداري باعتباره سياسة واسعة النطاق، تُبقي آلاف الفلسطينيين رهن الاحتجاز دون محاكمة عادلة أو إمكانية فعلية للطعن في الأدلة السرية المستخدمة ضدهم.

ثالثًا: ظروف الاحتجاز والانتهاكات والوفيات داخل السجون

تشهد السجون الإسرائيلية استمرارًا في تدهور الأوضاع الإنسانية والصحية للأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، في ظل سياسات الحرمان والتجويع والإهمال الطبي والتنكيل المستمر.

ففي عدد من السجون، من بينها سجنا الدامون والنقب، حُرم الأسرى من الرعاية الصحية الأساسية، ومن مستلزمات النظافة الشخصية ومواد التنظيف، إلى جانب فرض قيود على ممارسة الشعائر الدينية.

كما أُجبر عدد من الأسرى على النوم على الأرض، دون توفير فراش مناسب أو أغطية كافية، فيما أدى النقص الحاد في كميات الطعام المقدمة لهم إلى فقدان أوزانهم بصورة كبيرة وتدهور أوضاعهم الصحية.

ويواجه الأسرى المصابون بأمراض خطيرة ومزمنة، بمن فيهم مرضى السرطان، حرمانًا من العلاج المناسب، بما يضاعف المخاطر التي تهدد حياتهم.

ومن بين هذه الحالات الأسيرة شاتيلا أبو عيادة، وهي من أقدم الأسيرات الفلسطينيات، التي تحتاج إلى تدخل طبي عاجل في ظل ارتفاع إنزيمات الكبد لديها وتدهور وضعها الصحي.

ولا تقتصر الانتهاكات على الحرمان من الاحتياجات الأساسية، بل تشمل استمرار التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية والمهينة.

ووفقًا لشهادات الضحايا، استخدم مسؤولون إسرائيليون التهديد بالاغتصاب بحق أسيرات فلسطينيات، بهدف إجبارهن على سحب شكاوى أو الإدلاء بمعلومات.

كما تلقى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى شهادات من أسيرات تحدثن عن تعرضهن للتعذيب والاعتداءات الجنسية، إلى جانب الحرمان من الغذاء الكافي ومستلزمات النظافة والعناية الشخصية.

وفي السياق ذاته، تلقت الأمم المتحدة شهادات من 66 طفلًا فلسطينيًا أفادوا بتعرضهم للعنف الجسدي وغيره من أشكال سوء المعاملة أثناء احتجازهم لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

كما وثق التقرير الأممي وفاة طفل فلسطيني داخل الاحتجاز، حيث أثارت نتائج تشريح جثمانه مخاوف بشأن تعرضه لسوء تغذية حاد، يُرجح أنه استمر لفترة طويلة، إلى جانب عدم حصوله على الرعاية الطبية الكافية، وفقًا لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة (S/2026/357).

 توظيف تصنيف «المقاتلين غير الشرعيين» في الانتهاكات

يرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن سلطات الاحتلال تستخدم تصنيف «المقاتلين غير الشرعيين» غطاءً لتبرير التعذيب وغيره من الانتهاكات، وتقويض الضمانات القانونية الأساسية للمعتقلين، وفرض احتجاز طويل الأمد دون رقابة قضائية فعالة.

ويؤكد المركز أن هذا التصنيف يضع المعتقلين، ولا سيما القادمين من قطاع غزة، أمام منظومة احتجاز مغلقة تتيح استمرار الانتهاكات، وتحد من إمكانية الوصول إليهم أو متابعة أوضاعهم القانونية والإنسانية.

 التقييم القانوني

تشكل ظروف الاحتجاز والممارسات الموثقة انتهاكات لأحكام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

فبموجب المادة (86) من اتفاقية جنيف الرابعة، تلتزم القوة الحاجزة بتوفير أماكن مناسبة لإقامة الشعائر الدينية، فيما تكفل المادة (93) للمعتقلين حرية ممارسة شعائرهم الدينية.

كما تنص المادة (92) من الاتفاقية ذاتها على ضرورة إجراء فحوص طبية للمعتقلين مرة واحدة على الأقل شهريًا.

واستنادًا إلى شهادات الأسرى وما تظهره أوضاعهم الصحية والجسدية عقب الإفراج عنهم، يرى المركز أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تفِ بهذه الالتزامات.

ويشدد المركز على أن حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حظر مطلق بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا يجوز تبرير انتهاكه تحت أي ظرف.

رابعًا: التشريعات والقرارات القضائية لسلطات الاحتلال خلال عام 2026

شهد عام 2026 تطورات تشريعية وقضائية إسرائيلية خطيرة تمس حقوق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وتثير مخاوف متزايدة بشأن توسيع نطاق العقوبات الاستثنائية وتقويض ضمانات المحاكمة العادلة.

 1. قانون عقوبة الإعدام – 30 مارس/آذار 2026

أقر الكنيست الإسرائيلي، في 30 مارس/آذار 2026، قانونًا تقدمت به الجهة السياسية التي يقودها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، يوسع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام أمام المحاكم العسكرية والمدنية.

وبموجب القانون، تصبح عقوبة الإعدام هي العقوبة الأساسية في الضفة الغربية المحتلة لحالات القتل العمد المصنفة ضمن ما تسميه سلطات الاحتلال «الإرهاب»، فيما لا يُسمح باستبدالها بالسجن المؤبد إلا في «ظروف خاصة» لم يحددها القانون بصورة واضحة.

ويرى المركز أن هذا التشريع يمثل تصعيدًا خطيرًا في استهداف الأسرى الفلسطينيين، ويفتح الباب أمام استخدام عقوبة الإعدام ضمن منظومة قضائية تفتقر إلى الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

 2. قانون إنشاء محكمة عسكرية خاصة – 11 مايو/أيار 2026

أقر الكنيست الإسرائيلي، في 11 مايو/أيار 2026، بأغلبية 93 صوتًا ودون أي معارضة، قانونًا يقضي بإنشاء محكمة عسكرية خاصة، تتمتع بصلاحية فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين الذين تتم إدانتهم بالمشاركة في عمليات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ويثير هذا التشريع مخاوف قانونية وحقوقية جدية بشأن إنشاء آليات قضائية استثنائية لمحاكمة الفلسطينيين، وما قد يترتب عليها من انتهاكات للحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.

 3. قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر – 3 يونيو/حزيران 2026

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومراكز الاحتجاز.

وفي 3 يونيو/حزيران 2026، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية هذه السياسة بالإجماع، إلا أن القرار لم يتضمن جدولًا زمنيًا واضحًا لاستئناف الزيارات.

ولا يزال مدى التزام سلطات الاحتلال بتنفيذ القرار غير واضح، في ظل غياب آلية تفرض عواقب قانونية في حال استمرار الامتناع عن السماح بالزيارات.

ويرى المركز أن استمرار منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى الأسرى والمعتقلين يتعارض مع أحكام المادتين (76) و(143) من اتفاقية جنيف الرابعة، المتعلقة بزيارات المعتقلين والأشخاص المحميين، وتفقد ظروف الاحتجاز، وإجراء المقابلات معهم دون حضور شهود.

ويؤكد المركز أن استئناف الزيارات يجب ألا يقتصر على السجون المعلنة، بل ينبغي أن يشمل جميع مراكز الاحتجاز والمعسكرات العسكرية، بما فيها الأماكن التي يُحتجز فيها معتقلو قطاع غزة.

 4. ممارسات المحاكم العسكرية الإسرائيلية

في 18 أغسطس/آب 2026، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الدكتورة ديما أمين عقب اقتحام منزلها ليلًا، حيث قُيدت يداها بأربطة بلاستيكية وعُصبت عيناها أثناء عملية الاعتقال.

وفي 20 أغسطس/آب 2026، قررت محكمة عوفر العسكرية تمديد اعتقالها لمدة خمسة أيام لاستكمال التحقيق، على خلفية اتهامات بالتحريض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتعكس هذه القضية استمرار استخدام المحاكم العسكرية وأوامر تمديد الاعتقال بحق الفلسطينيين، في ظل مخاوف متواصلة بشأن ظروف الاعتقال والتحقيق ومدى احترام الضمانات القانونية الأساسية.

 خامسًا: الآليات الدولية والمواقف وردود الفعل

1. المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب

حذر المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالتعذيب من أن مشروع قانون عقوبة الإعدام ينطوي على مخاطر ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، بما في ذلك المساس بالحظر المطلق للتعذيب.

2. الأمين العام للأمم المتحدة

تناول تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الصادر في أبريل/نيسان 2026 بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، الانتهاكات المرتكبة بحق الفلسطينيين، وأوصى بوقف جميع أعمال العنف الجنسي، واعتماد التزامات محددة زمنيًا لمعالجة هذه الانتهاكات ومنع تكرارها.

3. المنظمات الإنسانية والحقوقية

أكد بيان مشترك صدر في 2 أبريل/نيسان 2026 أن إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون عقوبة الإعدام يستوجب اتخاذ الاتحاد الأوروبي إجراءات عاجلة للتعامل مع تداعياته الحقوقية والقانونية.

4. تقييم المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى

يرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن المواقف والتحذيرات الدولية، على أهميتها، لم تنعكس حتى الآن في صورة تغييرات ملموسة على سياسات الاحتلال الإسرائيلي أو ظروف احتجاز الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين.

فعلى امتداد أكثر من ثلاثة أعوام من حرب الإبادة، وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في العنف والتعذيب والتجويع وسوء المعاملة داخل السجون، لم تتخذ المؤسسات والآليات الدولية، بما فيها مجلس الأمن الدولي، إجراءات فعالة تضمن وقف هذه الانتهاكات.

ويؤكد المركز أن الاكتفاء بإصدار البيانات والتصريحات لم يوفر حماية حقيقية للأسرى، ولم يضمن وصول جهات رقابية مستقلة إلى أماكن احتجازهم.

كما أن استمرار غياب الرقابة والمساءلة أتاح لسلطات الاحتلال مواصلة السياسات ذاتها، دون وجود ضمانات فعلية لحماية حياة الأسرى وحقوقهم الأساسية.

 سادسًا: الخلاصة والتوصيات

بعد مرور ثلاثة أعوام على بدء حرب الإبادة الإسرائيلية، يرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن واقع السجون الإسرائيلية شهد تحولًا غير مسبوق في حجم الانتهاكات وطبيعتها، حيث لم تعد معاناة الأسرى والمعتقلين مقتصرة على ظروف الاعتقال القاسية، بل امتدت إلى ممارسات وسياسات تهدد حياتهم وصحتهم وكرامتهم الإنسانية بصورة مباشرة.

وقد تفاقم هذا الواقع خلال عام 2026 مع إقرار تشريعات جديدة، من بينها قانون عقوبة الإعدام الصادر في 30 مارس/آذار، وقانون إنشاء المحكمة العسكرية الخاصة الصادر في 11 مايو/أيار، بالتوازي مع استمرار سياسة الاعتقال الإداري المستندة إلى ملفات سرية، ومواصلة احتجاز معتقلي قطاع غزة بموجب ما يسمى «قانون المقاتلين غير الشرعيين».

ويؤكد المركز أن آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين باتوا يواجهون ظروفًا تتجاوز مجرد سلب الحرية، لتشكل تهديدًا مباشرًا لحقهم في الحياة والصحة والكرامة الإنسانية.

وفي ضوء هذه المعطيات، **يطالب المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى** بالكشف الفوري عن مصير جميع المعتقلين والمغيبين والمخفيين قسرًا وأماكن احتجازهم، وفتح السجون والمعسكرات العسكرية أمام الرقابة الدولية المستقلة، بما يشمل استئناف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر لجميع أماكن الاحتجاز.

كما يطالب بضمان تمثيل قانوني فعال لكل معتقل منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، واستئناف زيارات الأهالي، وتوفير الغذاء الكافي والعلاج الطبي والملابس وجميع الاحتياجات الإنسانية الأساسية، ووقف سياسات العزل الانفرادي والعقوبات الجماعية.

ويدعو المركز إلى إلغاء قانون عقوبة الإعدام وقانون إنشاء المحكمة العسكرية الخاصة، وإنهاء سياسة الاعتقال الإداري المستندة إلى الأدلة والملفات السرية، وفتح تحقيقات مستقلة وفعالة في جميع حالات التعذيب والوفاة داخل السجون والاعتداءات الجنسية والإهمال الطبي، ومحاسبة المسؤولين عنها.

ويشدد المركز على أن غياب التمثيل القانوني بالنسبة لمعتقلي قطاع غزة لا يعني مجرد الحرمان من وجود محامٍ، بل يتجاوز ذلك إلى تغييب أحد الشهود المستقلين القلائل على أوضاع المعتقلين، وقطع إحدى أهم قنوات التواصل بينهم وبين عائلاتهم والعالم الخارجي.

ففي الوقت الذي قد لا يظهر فيه المعتقل إلا مرة كل عدة أشهر عبر شاشة خلال جلسة للنظر في استمرار احتجازه، قد تبقى عائلته عاجزة عن معرفة مكان احتجازه أو الوصول إليه أو الاطمئنان على مصيره.

ومن هنا، يؤكد المركز أن ضمان وجود محامٍ يتمتع بصلاحيات فعلية لكل معتقل من قطاع غزة، منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، يجب أن يشكل أولوية أساسية في أي تحرك حقوقي أو قانوني خلال المرحلة المقبلة.

كما يدعو المركز اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى استئناف زياراتها لجميع الأسرى والمعتقلين وفي جميع أماكن الاحتجاز، بما يشمل معتقلي قطاع غزة المحتجزين داخل المنشآت والمعسكرات العسكرية، مع ضمان إجراء مقابلات فردية وسرية معهم، والعمل على الكشف عن مصير المعتقلين المفقودين والمخفيين قسرًا.

ويدعو المركز أيضًا الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية إلى تحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والانتقال من إصدار المواقف والبيانات إلى اتخاذ إجراءات فعلية تضمن حماية الأسرى والمعتقلين، وتضع حدًا للانتهاكات المستمرة بحقهم، وتكفل محاسبة المسؤولين عنها.

إن أخطر ما كشفته السنوات الماضية هو أن السجون الإسرائيلية أصبحت ساحة أخرى من ساحات المعاناة الفلسطينية، وأن استمرار إبقاء الأسرى والمعتقلين بعيدًا عن الرقابة والمساءلة يهدد بسقوط مزيد من الضحايا.

ولذلك، فإن حماية حياة الأسرى، والكشف عن مصير المغيبين والمخفيين قسرًا، ووقف الانتهاكات المرتكبة بحقهم، لم تعد مطالب قابلة للتأجيل، بل أصبحت مسؤولية إنسانية وقانونية عاجلة تقع على عاتق المجتمع الدولي ومؤسساته.

المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى

نوفمبر ٢٠٢٦