بعد مرور ثلاثة أعوام على بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر 2023، تشهد السجون الإسرائيلية واحدة من أخطر المراحل في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، في ظل تصاعد الاعتقالات والتعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل الانفرادي والحرمان من الزيارات والتواصل مع العالم الخارجي، إلى جانب اتساع ملف المعتقلين المغيبين قسرا، وخاصة من قطاع غزة.
ويرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن السنوات الثلاث الماضية شكلت تحولا جذريا في واقع الاعتقال، فلم تعد الانتهاكات تقتصر على إجراءات عقابية متفرقة، بل أصبحت جزءا من منظومة واسعة من القمع والحرمان، شملت الأسرى المحكومين والمعتقلين الإداريين والنساء والأطفال والمرضى، وامتدت إلى معسكرات الاحتجاز العسكرية والمنشآت المغلقة التي بقيت بعيدة عن الرقابة الإنسانية والقانونية المستقلة.
وتكشف هذه المرحلة عن واقع بالغ الخطورة، حيث تتداخل السياسات الحكومية الإسرائيلية مع إجراءات قوات السجون والتشريعات العقابية والتحريض السياسي، بينما يواجه آلاف الأسرى ظروفا تهدد حياتهم وصحتهم وكرامتهم، في وقت لم تتمكن فيه المؤسسات الدولية من توفير الحماية المطلوبة أو ضمان الوصول المنتظم إلى جميع أماكن الاحتجاز.
الأعداد والاعتقالات واتساع دائرة الاستهداف
تشير المعطيات المتوفرة مع مرور ثلاثة أعوام على الحرب إلى وجود نحو 9300 أسير ومعتقل فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية، بينهم أكثر من 3100 معتقل إداري، ونحو 1400 معتقل تصنفهم إسرائيل ضمن ما يسمى المقاتلين غير الشرعيين، إلى جانب نحو 90 أسيرة وأكثر من 350 طفلا، فيما لا تشمل هذه الأرقام جميع معتقلي قطاع غزة الموجودين في المنشآت العسكرية.
وخلال السنوات الثلاث الماضية، سجلت نحو 26 ألف حالة اعتقال في الضفة الغربية والقدس، بينها مئات النساء وآلاف الأطفال، دون احتساب حالات الاعتقال الواسعة في قطاع غزة التي لا تتوفر بشأنها بيانات مكتملة، وهو ما يعكس اتساع استخدام الاعتقال أداة للضغط والسيطرة على المجتمع الفلسطيني.
وتتواصل حملات الاعتقال اليومية والاقتحامات المنزلية واعتقال المواطنين على الحواجز، إلى جانب تجديد أوامر الاعتقال الإداري استنادا إلى ملفات سرية، بما يبقي آلاف الفلسطينيين خلف القضبان دون توجيه تهم جنائية أو إخضاعهم لمحاكمات عادلة.
واقع جديد داخل السجون..
-القمع والتجويع والعقوبات الجماعية
شهدت السجون منذ أكتوبر 2023 تغييرات واسعة في ظروف الحياة اليومية للأسرى، شملت تقليص كميات الطعام وتدهور نوعيته، ومصادرة الملابس والأغطية والمقتنيات الشخصية، وتقييد الاستحمام والخروج إلى الساحات، ومنع الزيارات العائلية، وتوسيع إجراءات التفتيش والقمع والعزل الانفرادي.
وتكشف شهادات الأسرى المحررين عن تعرضهم للضرب المتكرر والتقييد لساعات طويلة والحرمان من النوم والإهانات والتهديدات، إضافة إلى اعتداءات جنسية وانتهاكات تمس الخصوصية والكرامة الإنسانية، فيما تتكرر الإفادات عن استخدام الكلاب والقنابل الصوتية خلال اقتحام الأقسام والزنازين.
ويعد الوضع الصحي من أخطر جوانب هذه المرحلة، حيث يواجه نحو 1500 أسير مريض أو يعاني من مشكلات صحية ظروفا بالغة القسوة في ظل نقص الأدوية وتأخير الفحوص والعلاج، وانتشار الأمراض الجلدية وسوء التغذية وغياب النظافة، ما يهدد حياة المصابين بالأمراض المزمنة والجرحى وكبار السن.
ولم تسلم الأسيرات والأطفال من هذه الإجراءات، إذ تتكرر الإفادات عن التفتيش المهين والاعتداءات الجسدية والنفسية ونقص المستلزمات الشخصية والحرمان من التواصل الأسري، إلى جانب حرمان الأطفال من التعليم والرعاية الملائمة لأعمارهم.
شهداء الحركة الأسيرة وتصاعد الخطر على الحياة
خلال السنوات الثلاث الماضية، ارتقى أكثر من 90 أسيرا ومعتقلا فلسطينيا داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية وفق الحصيلة المعلنة للحالات المعروفة، فيما تبقى مخاوف جدية من وجود ضحايا آخرين لم يكشف عن هوياتهم أو ظروف وفاتهم، وخاصة بين معتقلي قطاع غزة الذين احتجزوا في المعسكرات العسكرية بعيدا عن الرقابة.
ويثير هذا العدد المتصاعد تساؤلات خطيرة بشأن ظروف الوفاة وما تعرض له الأسرى من تعذيب وتجويع وإهمال طبي واعتداءات جسدية، خاصة مع وجود حالات لم تعلن فيها السلطات الإسرائيلية وفاة المعتقل إلا بعد فترات طويلة من احتجازه أو تغييب مصيره.
ويرى المركز أن ارتفاع أعداد الشهداء لا يمكن فصله عن السياسات التي فرضت داخل السجون خلال الحرب، وأن استمرارها دون تدخل أو محاسبة يهدد بوقوع مزيد من الوفيات، خصوصا بين المرضى والمصابين والمعزولين والمعتقلين الذين لا يستطيع المحامون أو المؤسسات الإنسانية الوصول إليهم.
بن غفير وتحويل التنكيل بالأسرى إلى استعراض سياسي
برز وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير خلال السنوات الثلاث الماضية بوصفه أحد أبرز المحرضين على تشديد ظروف احتجاز الأسرى الفلسطينيين، من خلال تصريحاته وقراراته الداعمة لتقليص الطعام والمستلزمات الأساسية وتشديد القيود والعقوبات داخل السجون.
ولم يقتصر الأمر على الإجراءات الداخلية، بل امتد إلى اقتحام أقسام الأسرى وتصويرهم وتهديدهم أمام الكاميرات والتفاخر بظروف احتجازهم، كما ظهر في المشاهد المتعلقة بالأسير حسن سلامة الذي أمضى نحو 30 عاما في الاعتقال، قرابة نصفها في العزل الانفرادي، حيث وجه إليه بن غفير تهديدات صريحة بالقتل والإعدام داخل زنزانته.
ويعتبر المركز أن هذه الممارسات تكشف مستوى غير مسبوق من السادية والتحريض العلني، وتحول معاناة الأسرى إلى مادة للاستعراض السياسي والإعلامي، بما يمنح قوات السجون غطاء لمواصلة الاعتداءات والتنكيل.
كما يحذر من استغلال قضية الأسرى في المنافسة الانتخابية الإسرائيلية، وتحويل تشديد ظروف احتجازهم والتهديد بإعدامهم إلى وسيلة لكسب التأييد السياسي، خاصة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، في ظل غياب أي مساءلة جدية عن هذه التصرفات.
عقوبة الإعدام.. تشريع يهدد حياة الأسرى
شهد عام 2026 تطورا خطيرا مع إقرار تشريع إسرائيلي يوسع تطبيق عقوبة الإعدام في قضايا محددة، في خطوة تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الأسرى الفلسطينيين الذين يخضعون للمحاكم العسكرية الإسرائيلية.
ويرى المركز أن هذا التشريع يمثل تصعيدا خطيرا في السياسة العقابية، ويمنح غطاء قانونيا لعقوبة لا يمكن التراجع عنها، في ظل منظومة قضائية تواجه انتقادات واسعة بشأن ضمانات المحاكمة العادلة والاعتماد على الملفات الأمنية والاعترافات المنتزعة تحت الضغط.
وتزداد خطورة هذا التوجه مع التصريحات المتكررة لبن غفير الداعية إلى إعدام الأسرى، وتحويل المطالبة بقتلهم إلى جزء من الخطاب السياسي الإسرائيلي، الأمر الذي يثير مخاوف من الانتقال من التهديد والتحريض إلى تطبيق عقوبات إعدام بحق معتقلين فلسطينيين.
ويطالب المركز بإلغاء هذا التشريع ووقف أي إجراءات تستهدف تطبيقه، والتحرك القانوني الدولي لمنع استخدام المحاكم العسكرية وسيلة لإصدار أحكام إعدام بحق الفلسطينيين.
معتقلو غزة وقانون “المقاتل غير الشرعي”
يمثل معتقلو قطاع غزة أحد أكثر الملفات خطورة وغموضا، حيث اعتقلت القوات الإسرائيلية آلاف الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية، بينهم مدنيون وأطباء وعاملون صحيون وصحفيون، ونقلتهم إلى معسكرات ومنشآت احتجاز عسكرية وسجون مختلفة، مع حرمان أعداد كبيرة منهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم لفترات طويلة.
وتتعامل إسرائيل مع أعداد كبيرة من هؤلاء المعتقلين بموجب ما يسمى قانون المقاتلين غير الشرعيين، وهي تسمية يرفضها المركز باعتبارها تصنيفا لا يجوز استخدامه لحرمان المعتقلين من الحماية القانونية التي يكفلها القانون الدولي، أو تبرير احتجازهم لفترات طويلة دون توجيه تهم جنائية.
وتزداد خطورة هذا الواقع مع تقييد التمثيل القانوني، حيث تواجه عائلات معتقلي غزة عقبات كبيرة في توكيل محامين على نفقتها الخاصة وتمكينهم من الوصول الفعلي إلى أبنائها، فيما لا تزال عائلات كثيرة تجهل أماكن احتجازهم بعد مرور نحو ثلاثة أعوام على اعتقالهم.
ويخضع المعتقلون بموجب هذا القانون لمراجعات قضائية دورية كل ستة أشهر، وغالبا ما تجري الجلسات عبر تقنية الفيديو، وسط إفادات عن محدودية قدرة المعتقلين على الحديث أو مناقشة أسباب استمرار احتجازهم، بما يحول هذه الإجراءات في حالات عديدة إلى مراجعات شكلية لا توفر ضمانات دفاع فعالة.
ويرى المركز أن غياب المحامي عن معتقل غزة لا يعني حرمانه من الدفاع القانوني فقط، بل حرمانه من إحدى أهم وسائل الحماية التي تستطيع الكشف عن حالته الصحية وتوثيق ما يتعرض له وإبلاغ عائلته بمكان وجوده.
سديه تيمان والمعسكرات العسكرية والسجون غير المعلنة
كشف معسكر سديه تيمان عن جانب بالغ الخطورة من واقع اعتقال الفلسطينيين من قطاع غزة، بعد شهادات متكررة عن احتجاز المعتقلين وهم معصوبو الأعين ومقيدو الأطراف لفترات طويلة، وإجبارهم على البقاء في أوضاع مؤلمة، إلى جانب الضرب والإذلال والحرمان من الرعاية الطبية وظروف الاحتجاز القاسية.
ولا يقتصر القلق على سديه تيمان، فقد وردت معلومات عن احتجاز فلسطينيين في معسكرات ومنشآت أخرى، بينها عناتوت وعوفر والنقب ومجمع ركيفت الموجود تحت الأرض، إضافة إلى مخاوف من وجود مواقع احتجاز غير معلنة أو مرافق مغلقة لا تتوفر عنها معلومات كافية.
وتثير هذه المنشآت تساؤلات بشأن أعداد المعتقلين الموجودين فيها والجهات المسؤولة عن احتجازهم، ومدى قدرتهم على التواصل مع محاميهم وعائلاتهم، وإمكانية وصول المؤسسات الإنسانية إليها.
ويطالب المركز بالكشف عن جميع أماكن الاحتجاز دون استثناء، بما فيها المعسكرات العسكرية والمرافق الموجودة تحت الأرض، والتحقيق في المعلومات المتعلقة بالسجون السرية أو غير المعلنة، وضمان عدم إبقاء أي معتقل خارج السجلات الرسمية أو بعيدا عن الرقابة المستقلة.
المغيبون قسرا.. عائلات تبحث عن أبنائها منذ ثلاثة أعوام
يبقى ملف المعتقلين المغيبين قسرا من أكثر الملفات الإنسانية والقانونية إلحاحا، خاصة أن عائلات فلسطينية عديدة لا تزال تفتقر إلى معلومات مؤكدة عن مصير أبنائها الذين اعتقلتهم القوات الإسرائيلية خلال الحرب.
وتكشف المعطيات الحقوقية عن آلاف طلبات البحث عن معتقلين من قطاع غزة، بينها حالات شوهد فيها أشخاص أثناء اعتقالهم ثم تعذر لاحقا تحديد مكان وجودهم، أو نفت الجهات الإسرائيلية امتلاك معلومات عن احتجازهم، رغم وجود إفادات تؤكد اقتيادهم من قبل قواتها.
وتكمن خطورة هذا الملف في أن المعتقل يصبح خارج نطاق المتابعة القانونية والإنسانية، فلا تعرف عائلته أين يوجد، ولا يستطيع محاميه الوصول إليه، ولا تتوفر معلومات موثوقة عن وضعه الصحي، وفي بعض الحالات لا تعرف أسرته إن كان ما يزال على قيد الحياة.
ويشدد المركز على أن رفض الاعتراف باحتجاز شخص أو الامتناع عن الكشف عن مصيره ومكان وجوده قد يشكل اختفاء قسريا وفق القانون الدولي، وأن استمرار هذا الواقع يستوجب تحقيقا دوليا مستقلا ومتابعة كل حالة حتى الكشف عن مصير صاحبها.
غياب الرقابة الدولية واستمرار عزل الأسرى
ساهم انقطاع زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر منذ أكتوبر 2023، إلى جانب منع الزيارات العائلية وتقييد عمل المحامين، في توسيع عزلة الأسرى وإضعاف القدرة على التحقق المستقل من ظروف احتجازهم.
ويرى المركز أن أي عودة لزيارات الصليب الأحمر يجب ألا تتحول إلى إجراء شكلي أو تقتصر على السجون المعروفة، بل يجب أن تشمل جميع المعتقلين وأماكن الاحتجاز، وأن تضمن مقابلات فردية وسرية مع الأسرى، والتحقق من أوضاعهم الصحية، والكشف عن مصير المفقودين والمغيبين.
كما يجب أن يتبع ذلك استئناف زيارات الأهالي لأبنائهم، وخاصة عائلات أسرى قطاع غزة التي حرمت لسنوات من رؤيتهم أو الاطمئنان عليهم، فلا يمكن الحديث عن عودة طبيعية للعمل الإنساني بينما يبقى المعتقل معزولا عن أسرته.
تقدير المرحلة المقبلة
يقدر المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن الحركة الأسيرة تدخل مرحلة شديدة الخطورة، تتداخل فيها إجراءات القمع والتجويع والعزل والإهمال الطبي مع التشريعات العقابية والتحريض السياسي، في ظل استمرار الاعتقالات وغياب الحماية الدولية الفعالة.
وتتمثل المخاطر الأبرز في احتمال ارتفاع أعداد الوفيات داخل السجون، وتدهور أوضاع المرضى والمصابين، واستمرار عزل معتقلي غزة، وتصاعد التهديدات المرتبطة بعقوبة الإعدام، إلى جانب استخدام قضية الأسرى في المنافسة السياسية الإسرائيلية.
ولا يمكن معالجة هذه المخاطر بإجراءات جزئية، بل يتطلب الأمر تدخلا دوليا يضمن الوصول إلى جميع المعتقلين، والتحقيق في الانتهاكات، واستعادة الحقوق الأساسية، ووقف السياسات التي تعرض حياة الأسرى للخطر.
الخلاصة والمطالب
بعد ثلاثة أعوام على بدء حرب الإبادة، يرى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن واقع السجون الإسرائيلية شهد تحولا غير مسبوق في حجم الانتهاكات وطبيعتها، وأن آلاف الأسرى باتوا يواجهون ظروفا تتجاوز العقوبات السجنية إلى تهديد مباشر لحياتهم وصحتهم وكرامتهم.
ويطالب بالكشف الفوري عن مصير جميع المغيبين والمفقودين، وفتح السجون والمعسكرات أمام الرقابة الدولية المستقلة، وضمان التمثيل القانوني لجميع المعتقلين، وإعادة زيارات الأهالي، وتوفير الغذاء والعلاج والملابس والمستلزمات الأساسية، وإنهاء العزل الانفرادي والعقوبات الجماعية، وإلغاء قانون الإعدام، وفتح تحقيقات مستقلة في حالات التعذيب والوفاة والاعتداءات الجنسية والإهمال الطبي.
كما يدعو الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية إلى تحمل مسؤولياتها، والانتقال من إصدار المواقف والبيانات إلى إجراءات فعلية تضمن حماية الأسرى ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بحقهم.
إن أخطر ما كشفته السنوات الثلاث الماضية هو أن السجون أصبحت ساحة أخرى من ساحات المعاناة الفلسطينية، وأن استمرار ترك الأسرى بعيدا عن الرقابة والمحاسبة يهدد بمزيد من الضحايا، ولذلك فإن حماية حياتهم والكشف عن مصير المغيبين ووقف الانتهاكات بحقهم لم تعد مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤولية إنسانية وقانونية عاجلة تقع على عاتق المجتمع الدولي ومؤسساته.
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى
13 أكتوبر 2026


