لم تعد رحلة العودة إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري تنتهي بالضرورة عند لقاء العائلة والوصول إلى المنزل، فالمعبر الذي ينتظره آلاف الفلسطينيين بوصفه منفذا للعودة بعد النزوح والعلاج والغربة، بات يرتبط بسلسلة من الاعتقالات التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق مواطنين أثناء عبورهم، في تطور يثير مخاوف جدية من تحول الاعتقال إلى إجراء متكرر يرافق حركة السفر والعودة.
وفي أحدث هذه الحالات، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي اليوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 على اعتقال المواطن محمد حسن سليم لبد، المولود بتاريخ 3 يوليو 1990، أثناء عودته إلى قطاع غزة، لتضاف قضيته إلى سلسلة الاعتقالات التي شهدها معبر رفح خلال الأيام الماضية، بما يعزز المخاوف من تحول المعبر إلى نقطة متكررة لاحتجاز الفلسطينيين العائدين إلى وطنهم.
وسبق ذلك اعتقال ثلاثة مواطنين أثناء عودتهم إلى قطاع غزة عبر معبر رفح، وهم شكري نهاد كامل غزال، ومحمد رائد منير النجار، ومحمد كمال كامل عكيلة، وذلك عقب وصولهم ضمن حركة العائدين إلى القطاع، لتنضم أسماؤهم إلى قائمة من الفلسطينيين الذين انتهت رحلة عودتهم بالاحتجاز بدلا من الوصول الآمن إلى عائلاتهم.
وجاءت هذه الاعتقالات بعد أيام من اعتقال المواطن أحمد كمال الشاعر أثناء عودته عبر المعبر ذاته، وفي أعقاب اعتقال المواطنة آمال غازي محمد الريفي، البالغة من العمر 60 عاما، وابنتها ياسمين رفعت محمد الريفي، البالغة من العمر 33 عاما، أثناء عودتهما من رحلة علاج في جمهورية مصر العربية.
وكانت سلطات الاحتلال قد قررت تمديد احتجاز الأم وابنتها حتى 3 ديسمبر 2026، مع صدور قرار بمنعهما من لقاء محاميهما، في إجراء ضاعف القلق على سلامتهما وظروف التحقيق معهما، خصوصا أن عودتهما جاءت بعد رحلة علاج كان يفترض أن تنتهي بالاستقرار بين أفراد عائلتهما، لا بالانتقال إلى مراكز التحقيق والاحتجاز.
وتأتي هذه الحالات في سياق أوسع سبق أن وثق فيه المركز اعتقال سبعة مواطنين عبر معبري رفح وكرم أبو سالم، بينهم السيدتان المذكورتان، قبل تسجيل الاعتقالات الجديدة، ما يجعل القضية أبعد من حوادث منفصلة، ويفرض ضرورة مراجعة مجمل الإجراءات الأمنية المفروضة على الفلسطينيين أثناء سفرهم وعودتهم.
من بوابة للعودة إلى نقطة اعتقال
تكمن خطورة الاعتقالات الأخيرة في توقيتها ومكان وقوعها وطبيعة الفئة المستهدفة، فالمواطنون الذين يعبرون رفح لا يخوضون مواجهة عسكرية ولا يدخلون منطقة محظورة، وإنما يمارسون حقهم في العودة إلى أرضهم ومنازلهم، بعد أشهر أو سنوات من الانتظار خارج قطاع غزة.
وتزداد قسوة هذا المشهد بالنسبة للمرضى الذين اضطروا إلى مغادرة القطاع طلبا للعلاج، ثم وجدوا أنفسهم أمام احتمال الاعتقال عند العودة، بما يحول رحلة العلاج إلى معاناة جديدة، ويضع العائلات أمام معادلة قاسية بين الحاجة إلى العلاج خارج غزة والخوف من المصير الذي قد ينتظر المريض عند عودته.
ولم تعد المخاوف مقتصرة على المعتقلين أنفسهم، بل امتدت إلى آلاف الفلسطينيين الموجودين في مصر وخارجها، ممن ينتظرون فرصة العودة إلى قطاع غزة، إذ إن تكرار الاعتقالات دون ضمانات واضحة أو تفسيرات قانونية كافية قد يدفع المواطنين إلى التردد في العودة، خشية التعرض للتحقيق أو الاحتجاز أو الانقطاع عن عائلاتهم.
ومن هنا، فإن الخشية الأساسية لا تتعلق بعدد المعتقلين وحده، بل بإمكانية تحول هذه الإجراءات إلى سياسة ثابتة، يصبح فيها كل عائد عرضة للاشتباه والاحتجاز، وتتحول المعابر تدريجيا من منافذ مدنية إلى نقاط للفرز الأمني والاعتقال.
التفتيش والإذلال والتحقيق.. ماذا يحدث أثناء العبور؟
لا تنفصل الاعتقالات عن المخاوف المتعلقة بطريقة التعامل مع المسافرين أثناء عبور المعابر، وما يرافق الإجراءات الأمنية من تفتيش دقيق للأمتعة والمقتنيات الشخصية، واستجواب وانتظار طويل، واحتمالات التعرض للإهانة والتعنيف أو المعاملة الحاطة بالكرامة الإنسانية.
وتستوجب الإفادات المتعلقة بمصادرة أمتعة المسافرين ومقتنياتهم الشخصية، وعدم إعادتها إلى أصحابها، تحقيقا جديا ومعلنا، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأموال أو هواتف أو مستلزمات علاجية أو وثائق يحتاج إليها المواطن خلال سفره وعودته. ولا يجوز أن تتحول إجراءات التفتيش إلى وسيلة للاستيلاء على الممتلكات أو إذلال أصحابها.
كما أن إخضاع العائدين للتحقيق تحت ظروف ضاغطة، أو فصلهم عن مرافقيهم، أو منعهم من التواصل مع عائلاتهم، يثير إشكاليات حقوقية خطيرة، خاصة في ظل اختلال ميزان القوة بين المواطن والجهات المسلحة المسيطرة على إجراءات العبور.
وتبقى الحاجة ملحة إلى توثيق مستقل لكل حالة تتعلق بالتعنيف أو الإهانة أو مصادرة الممتلكات، وتحديد الجهة المسؤولة عنها، والتمييز بين إجراءات التفتيش المشروعة وأي تجاوزات تستهدف سلامة المسافرين وحقوقهم.
إن معبر رفح ليس سجنا ولا مركز تحقيق، ولا يجوز أن تتحول إجراءات المرور عبره إلى عقوبة إضافية يدفع ثمنها الفلسطيني لمجرد رغبته في العودة إلى وطنه.
البعثة الأوروبية.. حضور دولي يثير أسئلة الحماية والمساءلة
تضع الاعتقالات المتلاحقة بعثة الاتحاد الأوروبي العاملة في معبر رفح أمام أسئلة جدية بشأن دورها في مراقبة إجراءات العبور، ومدى اطلاعها على ما يتعرض له المواطنون من احتجاز أو تحقيق أو معاملة مهينة، والإجراءات التي تتخذها عند وقوع انتهاكات بحق المسافرين.
ورغم أن طبيعة تفويض البعثة الأوروبية تتركز في المراقبة والتنسيق والمساعدة الفنية، ولا تمنحها سلطة تنفيذية مباشرة لإدارة المعبر أو منع الاعتقالات، فإن وجودها بوصفها طرفا دوليا مراقبا يرتب مسؤولية مهنية وأخلاقية في توثيق الانتهاكات وإثارتها مع الجهات المعنية، وعدم التعامل معها باعتبارها أحداثا تقع خارج نطاق الاهتمام الدولي.
فما الذي تعرفه البعثة عن حالات الاعتقال الأخيرة؟ وهل سجل مراقبوها اعتراضات أو ملاحظات بشأن احتجاز العائدين؟ وما الإجراءات المتخذة لمتابعة مصير المعتقلين وضمان عدم تعرضهم للتعذيب أو سوء المعاملة؟ وهل توجد آلية واضحة يستطيع المواطن أو عائلته من خلالها تقديم شكوى بشأن الاعتقال أو التعنيف أو مصادرة الممتلكات؟
ولا تقل أهمية عن ذلك مسؤولية الاتحاد الأوروبي في توضيح الضمانات التي ترافق حركة العائدين، والكشف عن طبيعة التنسيق القائم بشأن المسافرين الذين يتعرضون للاحتجاز، ومدى التزام الأطراف المعنية بالمعايير الدولية الخاصة بحرية التنقل وسلامة المدنيين.
إن وجود مراقبين دوليين على معبر يستخدمه المرضى والجرحى والنساء وكبار السن والعائدون إلى منازلهم يجب أن ينعكس على مستوى الشفافية والمساءلة، لا أن يصبح مجرد حضور إداري لا يستطيع المواطن معرفة أثره عندما يتعرض للاعتقال أو يفقد الاتصال بعائلته.
‘حق العودة والتنقل لا يجوز إخضاعه للتهديد بالاعتقال’
تكتسب قضية المعتقلين عبر رفح أبعادا قانونية تتجاوز ظروف الاحتجاز الفردية، فحق الفلسطيني في مغادرة بلده والعودة إليه، وحقه في السلامة الشخصية والحماية من الاعتقال التعسفي، من الحقوق الأساسية التي لا يجوز تعطيلها بإجراءات أمنية مفتوحة أو غير خاضعة للمراجعة القانونية.
ولا يشكل عبور المعبر في ذاته مبررا للاعتقال، كما أن الاشتباه الأمني، إن وجد، لا يعفي الجهة القائمة بالاحتجاز من واجب توضيح الأساس القانوني للإجراء، وإبلاغ المعتقل بأسباب احتجازه، وتمكينه من التواصل مع محاميه والطعن في قانونية اعتقاله، وضمان عدم تعرضه للتعذيب أو المعاملة المهينة.
وتكشف قضية آمال الريفي وابنتها ياسمين جانبا إضافيا من هذه المخاطر، إذ لم يتوقف الأمر عند اعتقالهما بعد العودة من رحلة علاج، بل امتد إلى تمديد احتجازهما ومنعهما من لقاء محاميهما، بما يضعهما في حالة من العزلة القانونية ويضاعف معاناة عائلتهما التي تنتظر الاطمئنان عليهما.
ويخشى المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى من أن تتحول هذه الإجراءات إلى واقع دائم يفرض على كل فلسطيني يرغب في العودة إلى غزة، بحيث يصبح الوصول إلى المعبر بداية لاحتمال الاعتقال، لا نهاية لرحلة السفر، وهو ما قد يقوض عمليا حرية العودة ويجعلها مشروطة بمخاطر لا يستطيع المواطن توقعها أو تجنبها.
من معبر رفح إلى السجون.. مخاوف تتجاوز لحظة الاعتقال
لا تنتهي خطورة هذه الحالات عند لحظة اقتياد المواطن من المعبر، وإنما تبدأ معها مرحلة أخرى من القلق بشأن مكان احتجازه والجهة التي تتولى التحقيق معه، وإمكانية التواصل مع محاميه وعائلته، والظروف التي قد يواجهها داخل مراكز التحقيق والسجون.
وتزداد هذه المخاوف في ضوء الواقع الذي يعيشه معتقلو قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث بقيت أعداد كبيرة منهم لفترات طويلة بعيدة عن عائلاتها ومحاميها، فيما لا تزال أسر فلسطينية تبحث عن مصير أبنائها الذين اعتقلوا خلال الحرب دون الحصول على معلومات مؤكدة عن أماكن وجودهم أو أوضاعهم الصحية.
كما أن استخدام إسرائيل لقانون ما يسمى «المقاتلين غير الشرعيين» في احتجاز معتقلين من غزة دون توجيه اتهامات جنائية، وتقييد وصول المحامين إليهم، أوجد مخاوف إضافية من انتقال المعتقلين الجدد إلى مسارات احتجاز يصعب على عائلاتهم متابعتها أو معرفة تفاصيلها.
وقد كشفت السنوات الثلاث الماضية عن ظروف بالغة القسوة داخل السجون والمعسكرات الإسرائيلية، شملت التعذيب والتجويع والضرب والإهمال الطبي والعزل الانفرادي والحرمان من الزيارات، إلى جانب استمرار ملف المغيبين قسرا، الذين تفتقر عائلاتهم إلى معلومات عن مصيرهم وأماكن احتجازهم.
وتشير بيانات أكتوبر 2026 إلى وجود نحو 9265 أسيرا ومعتقلا داخل السجون الإسرائيلية، بينهم 3101 معتقل إداري و1419 محتجزا وفق تصنيف «المقاتلين غير الشرعيين»، فيما تضم السجون عشرات الأسيرات ومئات الأطفال، ولا تشمل هذه الحصيلة جميع معتقلي غزة المحتجزين في المعسكرات العسكرية.
وبذلك، فإن كل حالة اعتقال جديدة على المعابر تفتح بابا لمخاوف أوسع، لا سيما عندما تقترن بمنع لقاء المحامين أو تأخر الكشف عن أماكن الاحتجاز، في ظل استمرار الانتهاكات التي تطال آلاف الأسرى الفلسطينيين.
مسؤوليات عاجلة قبل تحول الاعتقالات إلى سياسة دائمة
إن تتابع الاعتقالات على معبر رفح يفرض تحركا يتجاوز المطالبة بالإفراج عن المعتقلين بصورة فردية، نحو معالجة الظروف التي تسمح بتكرار هذه الحوادث، ووضع ضمانات فعلية تمنع استخدام المعابر نقاطا لاعتقال الفلسطينيين أثناء السفر والعودة.
ويطالب المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى بالإفراج عن المواطنين الذين اعتقلوا أثناء عبورهم دون مسوغ قانوني، والكشف عن أماكن احتجازهم وظروف التحقيق معهم، وتمكينهم من لقاء محاميهم والتواصل مع عائلاتهم، وضمان حصولهم على الرعاية الصحية اللازمة، وخاصة المرضى والعائدين من رحلات العلاج.
كما يدعو بعثة الاتحاد الأوروبي إلى تقديم توضيحات علنية بشأن دورها في متابعة هذه الاعتقالات، وإيجاد آلية مستقلة لتلقي شكاوى المسافرين وتوثيق حالات التعنيف والإذلال ومصادرة الممتلكات، مع ضمان إعادة الأغراض المصادرة دون سند قانوني ومساءلة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبت بحق المواطنين.
وتتحمل المؤسسات الدولية والحقوقية والإنسانية مسؤولية متابعة أوضاع المعتقلين الجدد، وضمان عدم انقطاع أخبارهم أو نقلهم إلى أماكن احتجاز مجهولة، والعمل على كشف مصير جميع معتقلي غزة المغيبين قسرا، وفتح السجون والمعسكرات العسكرية أمام الرقابة المستقلة.
ويخلص المركز إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاعتقالات التي وقعت حتى الآن فحسب، بل في تحولها إلى نهج متكرر يجعل معبر رفح مصيدة للفلسطينيين العائدين إلى وطنهم، ويضع آلاف المواطنين أمام خيار قاس بين البقاء خارج غزة أو المخاطرة بالاعتقال عند العودة إليها. فالمعبر الذي يفترض أن يجمع العائلات بعد سنوات من النزوح والمعاناة، لا يجوز أن يصبح بوابة جديدة إلى السجون، أو أن تنتهي عنده رحلة العلاج والعودة ببداية رحلة أخرى من الاحتجاز والتغييب.
المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى
4 نوفمبر 2026

