يعيش الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال معاناة يومية متعددة الأوجه، إلا أن واحدة من أكثر التجارب قسوة وإيلامًا بالنسبة لهم هي ما يعرف بـ “البوسطة”، وهي المركبة التي تستخدمها إدارة السجون لنقل الأسرى بين السجون أو إلى المحاكم أو للقاء المحامين، ويؤكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن هذه المركبة تحولت مع مرور الوقت إلى وسيلة تعذيب حقيقية، حتى بات الأسرى يطلقون عليها اسم القبر الحديدي المتنقل لما تسببه من معاناة جسدية ونفسية شديدة.
تتكون عربة البوسطة من مقصورات معدنية ضيقة تشبه الزنازين الصغيرة داخل مركبة مغلقة بالكامل، حيث يجلس الأسير على كرسي حديدي قاسٍ داخل مساحة محدودة جدًا بالكاد تسمح له بالحركة، ويتم تقييده بالأصفاد الحديدية من اليدين والقدمين طوال فترة النقل، ولا تحتوي هذه المقصورات على أي تجهيزات إنسانية، فلا يوجد فيها سوى الكرسي الحديدي والأصفاد، رغم وجود كاميرات مراقبة داخل المركبة تتابع حركة الأسرى طوال الرحلة.
وتتحول رحلة البوسطة في كثير من الأحيان إلى رحلة طويلة من العذاب والآلام، إذ قد تستمر لساعات طويلة وقد تتجاوز أحيانًا أربعًا وعشرين ساعة متواصلة، خاصة عند نقل الأسرى بين السجون البعيدة أو إلى المحاكم العسكرية، وخلال هذه الفترة يبقى الأسير مقيدًا في وضعية مؤلمة دون السماح له باستخدام الحمام أو التوقف بشكل إنساني لتلبية احتياجاته الأساسية، ما يؤدي إلى إرهاق شديد وآلام جسدية قاسية.
كما يعاني الأسرى خلال هذه الرحلات من إجراءات مهينة ومتكررة، إذ أنه مع كل توقف للبوسطة يتم إخراج الأسرى وتفتيشهم من جديد رغم وجود كاميرات مراقبة داخل المركبة، الأمر الذي يعتبره الأسرى إجراءً هدفه الإذلال والتنكيل أكثر من كونه إجراءً أمنيًا، وترافق هذه الإجراءات في بعض الأحيان اعتداءات بالضرب أو الدفع والتعامل القاسي أثناء النقل أو التفتيش.
وتستخدم إدارة السجون البوسطة بشكل أساسي لنقل الأسرى إلى جلسات المحاكم أو لقاء المحامين، إلا أن قسوة هذه الرحلات دفعت عددًا كبيرًا من الأسرى إلى رفض الخروج لمقابلة محاميهم أو حضور جلسات المحكمة، تفاديًا لما يصفونه برحلة العذاب داخل هذه المركبة.
ويشير المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى إلى أن خطورة هذه الظروف لم تتوقف عند حدود المعاناة اليومية، بل إن بعض الأسرى استشهدوا خلال عمليات النقل داخل عربات البوسطة نتيجة الظروف القاسية وسوء المعاملة والإهمال الطبي، ما يعكس حجم الخطر الذي يتعرض له الأسرى خلال هذه الرحلات.
ويؤكد المركز أن ما يتعرض له الأسرى خلال عمليات النقل عبر البوسطة يمثل انتهاكًا صارخًا للمعايير الإنسانية والقانون الدولي، مطالبًا المؤسسات الحقوقية الدولية بالتدخل العاجل لوقف هذه الممارسات وضمان نقل الأسرى بوسائل إنسانية تحترم كرامتهم وسلامتهم.



