يؤكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن مشروع قانون إعدام الأسرى الذي يجري تداوله في إسرائيل يمثل أخطر تحول تشريعي يستهدف الحركة الأسيرة الفلسطينية منذ عام 1967، لما يحمله من أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية تمس جوهر الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة، ويعيد صياغة العلاقة بين منظومة العقوبات الإسرائيلية وملف الأسرى في سياق الصراع الممتد؛ إن هذا المشروع لا يمكن اعتباره تعديلًا تقنيًا محدودًا، بل خطوة استراتيجية تسعى إلى تحويل عقوبة الإعدام من نص استثنائي شبه معطّل إلى أداة ردعية قابلة للتفعيل ضمن سياسة رسمية.
منذ أواخر سبتمبر 2025 بدأ المشروع يأخذ مسارًا تشريعيًا عمليًا داخل الكنيست، حيث أُعلن في 28 سبتمبر 2025 عن تقدمه في لجنة الأمن القومي تمهيدًا لطرحه في الهيئة العامة، ثم اجتاز القراءة الأولى في 11 نوفمبر 2025 بأغلبية واضحة، ما أدخله رسميًا مرحلة الصياغة التفصيلية للقراءتين الثانية والثالثة؛ خلال ديسمبر 2025 ويناير 2026 استمرت المناقشات داخل اللجان المختصة وسط دعوات من قادة اليمين لتسريع إقراره وعدم إبقائه في إطار النقاش النظري؛ وقد لعب إيتمار بن غفير دورًا محوريًا في الدفع بالمشروع، إذ جعله بندًا مركزيًا في خطابه السياسي، ودعا علنًا إلى التعجيل في تشريعه وتنفيذه واعتبره أداة ردع حاسمة ورسالة سياسية لمنع صفقات تبادل مستقبلية، كما رافق ذلك تحشيد إعلامي وتحريض مباشر لتقديم الإعدام بوصفه الحل النهائي في التعامل مع الأسرى المصنفين أمنيًا.
ينص مشروع القانون على فرض عقوبة الإعدام على كل من يتسبب عمدًا، أو نتيجة ما يُعرَّف باللامبالاة، في مقتل مواطن إسرائيلي إذا ارتبط الفعل بدافع عنصري أو بدافع الكراهية أو بقصد الإضرار بدولة إسرائيل؛ وتكمن الخطورة الأبرز في أن المشروع لا يكتفي بتوسيع نطاق الجرائم التي قد تُعاقب بالإعدام، بل يسعى أيضًا إلى تعديل الإطار الإجرائي القائم بحيث يصبح بالإمكان إصدار حكم الإعدام بأغلبية القضاة دون اشتراط الإجماع، كما يمنع تخفيف العقوبة أو استبدالها بعد صدور حكم نهائي؛ إن هذا التحول يلغي أحد أهم الضمانات القضائية المرتبطة بالعقوبة القصوى، ويجعل تنفيذها أكثر سهولة من الناحية الإجرائية؛ وقد وصفت الحقوقية عبير بكر هذا التوجه بأنه إجراء غير مسبوق عالميًا؛ كما أن الصياغة التي تربط الجريمة بما يُعتبر مساسًا بدولة إسرائيل بوصفها دولة جامعة لليهود وتمثل نهضة الشعب اليهودي تعزز المخاوف من الطابع التمييزي للتشريع، إذ يُخشى أن يُطبّق عمليًا على الفلسطينيين بصورة شبه حصرية، بينما لا يُتوقع أن يمتد بذات المنطق إلى جرائم يرتكبها مستوطنون أو يهود ضد فلسطينيين.
يأتي هذا التوجه في سياق تاريخي طويل من الانتهاكات المرتبطة بملف الأسرى، حيث تشير إحصاءات مؤسسات حقوقية فلسطينية إلى استشهاد مئات الأسرى داخل السجون الإسرائيلية منذ عام 1967 نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو ظروف الاعتقال القاسية؛ إن طرح عقوبة الإعدام في بيئة يشكو فيها الأسرى من انتهاكات متكررة يعمّق المخاوف من غياب الضمانات الفعلية للمحاكمة العادلة، ويزيد احتمالات وقوع ظلم لا يمكن تداركه في حال تنفيذ أحكام نهائية.
من الناحية القانونية يتضمن المشروع تعديلات تمكّن المحاكم العسكرية في الضفة الغربية من فرض عقوبة الإعدام على مدنيين فلسطينيين في إطار قانون مكافحة الإرهاب، مع اتجاه نحو تقليص متطلبات الإجماع القضائي واستبداله بقرار بالأغلبية، إضافة إلى الحد من إمكانات العفو أو تخفيف الحكم بعد صدوره؛ إن هذه التعديلات تمثل مساسًا جوهريًا بمبدأ تفريد العقوبة وبالضمانات الإجرائية التي يفترض أن تحيط بأي حكم بالإعدام بوصفه عقوبة نهائية لا رجعة فيها، كما أن توسيع اختصاص المحاكم العسكرية لمحاكمة مدنيين وإصدار أحكام بالإعدام يثير إشكاليات خطيرة تتعلق باستقلال القضاء وحياده.
لقد عبّرت جهات حقوقية دولية عن قلقها العميق من هذا المشروع، معتبرة أنه يتعارض مع الاتجاه العالمي نحو تقليص عقوبة الإعدام، ويثير شبهة التمييز في التطبيق؛ كما حذّرت مؤسسات حقوق الإنسان من أن تقليص ضمانات المحاكمة العادلة في قضايا تتعلق بعقوبة لا رجعة فيها يشكل مساسًا مباشرًا بالحق في الحياة وبالمعايير الدولية ذات الصلة.
ومن المهم التأكيد أن مشروع القانون ما يزال في طور الإجراءات التشريعية داخل الكنيست، إذ لم يستكمل بعد مسار القراءتين الثانية والثالثة اللازمتين لاعتماده بصورة نهائية؛ وعليه فإن النقاشات لا تزال قائمة داخل اللجان المختصة، ما يفتح نافذة قانونية وسياسية للتحرك قبل تثبيت النص بصيغته المقترحة؛ وفي ضوء ما يحمله المشروع من مخاطر جسيمة على الحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة، يرى المركز أن المسؤولية تقتضي تحركًا عاجلًا من المؤسسات الدولية والآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان، للضغط من أجل وقف هذا المسار التشريعي قبل أن يتحول إلى قانون نافذ يصعب التراجع عنه.
إن المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى يؤكد أن أي تشريع يفتح الباب أمام تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين يشكل تصعيدًا خطيرًا وانتهاكًا جسيمًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ويطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لحماية الحق في الحياة، وضمان محاكمات عادلة تستوفي جميع الضمانات القانونية، والعمل الجاد لمعالجة جذور الانتهاكات المستمرة بحق الأسرى بدلًا من الانتقال إلى مرحلة العقوبات القصوى.


