توثيق شهادة صادمة لأسيرة محررة من الضفة الغربية تكشف ما تتعرض له الأسيرات داخل سجون الاحتلال

تفتيش عار وتهديدات جنسية وتجويع وقمع وحرمان من العلاج داخل سجن الدامون

وثق المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى شهادة خاصة لأسيرة فلسطينية محررة من الضفة الغربية، تحدثت فيها عن تفاصيل اعتقالها وما تعرضت له منذ اقتحام منزلها وحتى نقلها إلى سجن الدامون، من ضرب وإهانات وتهديدات جنسية وتفتيش عار وعزل انفرادي وتجويع وحرمان من العلاج والنظافة.

وينشر المركز الشهادة بدون اسم، مع حذف أي معلومات قد تكشف هوية صاحبتها أو هويات أسيرات أخريات، خشية تعرضها لإعادة الاعتقال أو الملاحقة.

وقالت الأسيرة المحررة إن قوات الاحتلال اقتحمت منزلها بعد منتصف الليل، وحاصرت المنطقة بأعداد كبيرة من الجنود، ثم فجرت باب المنزل وفصلت أفراد عائلتها عن بعضهم، وعبثت بمحتويات البيت وصادرت الهواتف وأجهزة الحاسوب والمعدات الإلكترونية.

وأضافت أن أحد الضباط أبلغها بأن أمامها دقيقة واحدة فقط لارتداء ملابسها قبل اعتقالها، بينما رفضت المجندات منحها أي خصوصية خلال تبديل ملابسها.

وأردفت بالقول: “منذ اللحظة الأولى لم يأخذوا حريتي فقط، بل بدأوا في إذلالي أمام أهلي وداخل بيتي”.

وخلال نقلها في المركبة العسكرية، ألقيت على الأرض وهي مقيدة اليدين ومعصوبة العينين، وتعرضت للركل والدوس والشتائم والتهديدات الجنسية.

وأضافت: “بقيت طوال الطريق على الأرض تحت أقدام الجنود وبنادقهم، وكانوا يهددونني بالاغتصاب ويضحكون، ولم أستطع أن أفعل شيئا”.

وعند وصولها إلى أحد المعسكرات، أجبرت على الركوع لأكثر من 15 ساعة وهي مكبلة ومعصوبة العينين، ومنعت طوال هذه الفترة من الطعام والماء ودخول الحمام.

وفي مركز الاحتجاز، اقتيدت إلى غرفة للتفتيش العاري، حيث أجبرتها مجندتان على خلع جميع ملابسها، ثم تعرضت للمس جسدي وصفته بأنه تحرش جنسي لا علاقة له بإجراءات التفتيش.

وبينت: “ما حدث لم يكن تفتيشا، بل كان اعتداء جنسيا وأنا عاجزة عن حماية نفسي”.

كما أجبرت على تقبيل العلم الإسرائيلي، والتقطت لها صور قبل وضع كيس أسود على رأسها ونقلها إلى زنزانة العزل.

ووصفت زنزانة العزل بأنها صغيرة جدا، لا يدخل إليها الهواء أو الضوء الطبيعي، وفيها مرحاض مكشوف وفرشة رقيقة بجانبه، مع إضاءة قوية لا تنطفئ وبرودة شديدة.

وأفادت أنها فقدت القدرة على معرفة الوقت، ولم تعد تعرف إن كان الوقت نهارا أو ليلا.
وخلال إحدى مراحل التحقيق، قيدت يداها وقدماها إلى سرير حديدي داخل زنزانة تحت الأرض، وبقيت عاجزة عن الحركة لأكثر من عشر ساعات، وسط انتشار الحشرات والصراصير.

وقالت إن الحراس نزعوا حجابها بالقوة، وألقوه على الأرض وداسوا عليه بأقدامهم، ورفضوا إعادته إليها رغم طلبها المتكرر.

وأضافت: “كنت مربوطة إلى السرير وأشاهدهم يدوسون على حجابي، ولم أستطع حتى أن أمد يدي لأرفعه عن الأرض”.

وبعد أيام من العزل والتحقيق، نقلت إلى سجن الدامون وهي تعاني من آثار جسدية ونفسية شديدة، لكنها فوجئت بأن القمع لم يتوقف.

وأوضحت أن وحدات القمع كانت تقتحم الأقسام بصورة متكررة، وتستخدم القنابل الصوتية والدخانية والكلاب والكاميرات، ثم تجبر الأسيرات على الانبطاح على بطونهن وتقييد أيديهن خلف ظهورهن.

وقالت إن الجنود كانوا يسحلون الأسيرات نحو الساحة وهن معصوبات ومقيدات، ويرفعون أيديهن إلى أعلى خلف ظهورهن بطريقة سببت لعدد منهن إصابات في الكتفين والظهر وكدمات في أنحاء الجسد.

وأضافت: “كانت وجوه الأسيرات ترتطم بالأرض، وكان بعض الجنود يضعون أقدامهم أو ركبهم على ظهورهن بكل قوتهم”.

وبحسب الشهادة، كانت أي كلمة أو صرخة تصدر من إحدى الأسيرات سببا لمعاقبة القسم كله، من خلال الضرب والعزل والتهديدات الجنسية.

كما صادرت قوات السجن الملاعق البلاستيكية، وأجبرت الأسيرات على تناول الطعام بأيديهن.

أما الطعام، فوصفته الأسيرة المحررة بأنه قليل جدا ولا يكفي لسد الجوع، ويتكون من كميات محدودة من اللبن أو المربى، وعدد قليل من حبات الحمص أو الفاصولياء، وملعقتين من الأرز أو البرغل، دون ملح أو سكر، مضيفة: “كنا ننام جائعات، وكنا نسمع صوت أمعاء بعضنا من شدة الجوع”.

وأوضحت أن الطعام نفسه كان يقدم للحوامل والمريضات وكبيرات السن، دون مراعاة لأوضاعهن الصحية، ما تسبب بفقدان بعض الأسيرات جزءا كبيرا من أوزانهن.

كما عانت كثير من الأسيرات من اضطراب الدورة الشهرية والإمساك الشديد، بسبب سوء التغذية والضغط النفسي والظروف الصحية القاسية.

وتحدثت الأسيرة المحررة عن مياه غير صالحة للشرب، تخرج من حنفيات متآكلة وممتلئة بالصدأ والكلور، إضافة إلى حرمان الأسيرات من أدوات النظافة والعناية الشخصية.

وقالت إن الأسيرات كن يستخدمن فرشاة الأسنان لتصفيف شعورهن، وينظفن الأواني بقطع صغيرة يقتطعنها من فرشات النوم.

ولم تكن الحمامات تتمتع بأي خصوصية، إذ كانت بلا أبواب في بعض الغرف، مع وجود كاميرات مراقبة فوق أماكن نوم الأسيرات.

كما كانت كل أسيرة تحصل على عدد محدود جدا من قطع الملابس، وتضطر إلى غسلها وانتظار جفافها ثم ارتدائها في اليوم نفسه.

وأضافت أن الخوف من الاقتحامات كان يدفع الأسيرات إلى النوم بملابسهن كاملة، لأن الأبواب قد تفتح في أي لحظة، أو تسلط الكشافات على وجوههن خلال الليل.

وتقول الشهادة إن الزنازين كانت شديدة الاكتظاظ، وتحتجز فيها أعداد تفوق قدرتها، ما أجبر عددا من الأسيرات على النوم فوق الأرض الإسمنتية وسط الرطوبة والحشرات.

وتسببت هذه الظروف في انتشار الأمراض الجلدية والتقرحات، دون توفير علاج أو متابعة طبية حقيقية.

وذكرت الأسيرة المحررة أن إحدى المعتقلات الحوامل فقدت وعيها نتيجة أزمة صحية، وبقيت الأسيرات يحاولن إنقاذها لأكثر من ربع ساعة قبل حضور طاقم السجن، الذي اكتفى بطلب شرب الماء ورفع القدمين.

كما تحدثت عن تعرض إحدى الأسيرات لضرب شديد أسفل البطن وبين الساقين، ما تسبب لها بنزيف ومشكلات صحية خطيرة، دون توفير العلاج اللازم.

وقالت إن الأسيرات الحوامل كن يعشن ظروفا قاسية، وبعضهن كن ينمن على الأرض لعدم توفر أسرّة كافية، رغم حالات الإغماء والمشكلات الصحية التي يعانين منها.

وتابعت أن المصاحف صودرت، ولم تتوفر أماكن مخصصة للصلاة، كما حرمت الأسيرات من معرفة الوقت، واضطررن إلى تقدير مواعيد الصلاة من ظل الشمس خلال الفورة.

وقالت: “كنا نعيش بلا ساعة ولا شمس ولا حياة”.

وفي إحدى ليالي عيد الأضحى، اقتحمت وحدات القمع القسم قبل الفجر بالقنابل والكلاب والسلاح، وضربت الأسيرات وألقت بهن على الأرض.

وأضافت: “قضينا أول ساعات العيد نضمد جروح بعضنا بدل أن نفرح ونكبر”.

وكشفت الأسيرة أن قوات السجن علقت مقابل الزنازين صورا لدمار قطاع غزة كتب عليها “غزة الجديدة”، بهدف تعذيب الأسيرات نفسيا وزيادة خوفهن على عائلاتهن.

كما بقيت أسيرات كثيرات في الاعتقال الإداري دون تهم، مع تجديد أوامر اعتقالهن كلما اقترب موعد الإفراج عنهن.

وقالت إن بينهن أمهات وجدات وشابات وقاصرات ونساء يعانين من أمراض مزمنة، وبعضهن فقدن أفرادا من عائلاتهن خلال الاعتقال وحُرمن من وداعهم.

وأوضحت أن جلسات المحاكمة عبر الاتصال المرئي كانت تتحول إلى مناسبة جديدة للإهانة، حيث كانت الأسيرات يسحبن ويدفعن بعنف وهن في طريقهن إلى غرفة الاتصال.
وقالت الأسيرة المحررة إن أكثر ما يؤلمها بعد الإفراج عنها هو شعورها بأنها تركت الأسيرات خلفها في هذه الظروف.

وأضافت: “تركت البنات يعانين من الجوع والأمراض والتقرحات والخوف، وأشعر أحيانا أنني أخذلهن لأنهن ما زلن هناك”.

وختمت شهادتها بالقول: “لا يوجد كلام يصف الواقع داخل سجن الدامون، وما زلت أخاف من نشر كل ما حدث، لكنني لا أريد أن تبقى معاناة الأسيرات مخفية”.

وأكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن هذه الشهادة تعكس جانبا خطيرا من الانتهاكات التي تتعرض لها الأسيرات الفلسطينيات، وتستوجب تحركا دوليا عاجلا لوقف التفتيش العاري والاعتداءات الجنسية والتجويع والإهمال الطبي والقمع المتواصل.

وطالب المركز الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمؤسسات المعنية بحقوق المرأة، بإرسال لجان مستقلة إلى سجن الدامون، ومقابلة الأسيرات بصورة مباشرة وسرية، وتوفير الحماية والرعاية الصحية لهن، ومحاسبة المتورطين في الجرائم والانتهاكات التي تعرضن لها.