معتقلة غزّية رهينة للضغط على والدها الطبيب المعتقل – شهادة الممرضة تسنيم الهمص

المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى يوثّق شهادة الأسيرة المحررة الممرضة تسنيم مروان الهمص

في إفادة جديدة حصل عليها المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى، في إطار عمله على توثيق الانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، يوثق المركز شهادة الأسيرة المحررة الممرضة تسنيم مروان الهمص، بوصفها رواية مباشرة لوقائع اعتقالها وما رافقها من احتجاز وتعذيب ومعاملة مهينة، وفق ما ورد في إفادتها الشخصية.

وتسنيم مروان الهمص، 24 عامًا، ممرضة من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تعرضت للاختطاف والاعتقال رغم أن أسرتها كانت تعاني من اعتقال والدها الطبيب مروان الهمص الذي تم اختطافه بالقرب من مواصي رفح، وتروي الهمص قصتها بلسانها قائلة: “أنا تسنيم، فتاة من رفح، يبناوية الأصل، عمري 24 عامًا وأعمل ممرضة، كنت أعيش حياة عادية جدًا قبل الحرب، دراسة وعمل وأحلام بسيطة، ولم أكن أتصور أن كل ذلك يمكن أن يُنتزع في لحظة واحدة”.

وتستعرض الهمص تفاصيل واقعة اعتقالها موضحة أن ذلك حدث أثناء توجهها إلى عملها في نقطة طبية في مواصي خانيونس، حيث توقفت بالقرب منها سيارة بيضاء من نوع “كادي”، وتقول: “لم ألتفت في البداية، وفجأة وجدت سبعة أشخاص يهاجمونني، أمسك أحدهم بيدي، فصرخت: اتركوني ماذا تريدون مني، بدأوا يشتمونني ويضربونني، ثم أخرج أحدهم السلاح وأطلق النار بجانب قدمي، فهرب كل من كان في المكان”.

وتواصل سردها قائلة: “قاموا برمي قنبلة قرب مدرسة قريبة لإثارة الفوضى، ثم دفعوني إلى داخل السيارة بالقوة والسلاح موجّه إلى رأسي، كانت عيناي معصوبتين ويداي مكبلتين وأُجبرت على الانحناء عند أقدامهم، كنت بين رجلين وكل واحد منهما يضغط المسدس على رأسي وكأنهم يقولون إن حياتي ليست لي”.

وتشير تسنيم إلى أن الخاطفين كانوا يصرخون “إصابة… إصابة” لفتح الطريق، قبل أن يسلموها إلى قوات الاحتلال في منطقة خاضعة لسيطرته، حيث أُجبرت على الجلوس على ركبتيها قبل أن ينسحبوا.

وتستذكر تلك اللحظات بقولها: “فكرت بأمي وأخواتي وأبي، وخفت على أمي أكثر مما خفت على نفسي، سمعت لغة عبرية وأجهزة لاسلكي، فعرفت أنني بيد الاحتلال، فبدأت أردد الأدعية واستعددت للموت”.

وتتابع المحررة الهمص أن مجندة اقتادتها إلى منزل مدمر مليء بالجنود والآليات والدبابات، فيما كانت الطائرات المسيّرة تحلّق فوق رأسها، وهناك خضعت، بحسب إفادتها، لتفتيش جسدي مهين وهي شبه عارية، قبل أن تُكبّل بقيود حديدية مؤلمة في يديها وقدميها، ثم نُقلت بين عدة مواقع عسكرية إلى أن وُضعت داخل صندوق حديدي أسود يكاد يخلو من الأكسجين.

وتفيد بأن التحقيق الأول بدأ وهي داخل ذلك الصندوق، حيث حضر محقق ومحققة وشرعا في استجوابها، وتقول: “قلت الحمد لله دون وعي، ربما لأنني اعتدت أن أقولها، سألوني إلى أين أريد الذهاب فقلت إلى أهلي في غزة فضحكوا، سألوني عن السجن فقلت عسقلان، فقال المحقق: عند أبوك، فسكتُّ”.

وتوضح الفتاة تسنيم أن نقلها إلى سجن عسقلان شكّل بداية مرحلة احتجاز قاسية، حيث جرى تجريدها من جميع مقتنياتها الشخصية حتى ربطة الشعر، وإيداعها في زنزانة مظلمة بلا شمس ولا وقت، وتقول: “شهر كامل لم أرَ النهار، البرد كان في الجدران وفي عظامي، كنت أكتب أسماء إخوتي على الحائط بظفري لأشعر أنني ما زلت إنسانة”.

وتضيف أن تحقيق الشاباك كان طويلًا وقاسيًا، تخلله سب وتهديد واتهامات كاذبة وجلوس لساعات طويلة على الكرسي، وتقول: “قالوا إنني سأبقى عشرين سنة، هددوني بعائلتي، ضعفت وتشنج جسدي وبكيت حتى أخذوني على كرسي متحرك وأعطوني منوّمًا، وبعد ساعتين فقط عادوا وقالوا تحقيق”.

وعن أقسى لحظات اعتقالها تقول تسنيم: “أدخلوني غرفة التحقيق ورأيت أبي، الدكتور مروان الهمص، مكلبشًا إلى الكرسي، حين رآني بكى… الجبل بكى، فاندفعت نحوه واحتضنت رقبته وقلت له لا تبكِ يا أبي، قبّلني وقال حبيبتي يا أبي، صرخوا بنا، قبّلت يده وقدمه، طلبوا مني أن أسأله عن أمور لا يعرفها، فقلت لهم أنا أصدق أبي”.

وتضيف: “سمعت صوته وهو يقول فلسطين فوقنا كلنا، خرجت متماسكة لكنني انهرت بعد خطوات، شعرت أن قلبي انشق نصفين”.

وتبيّن أن حالتها الصحية تدهورت لاحقًا، إذ فقدت شهيتها ونقص وزنها عشرة كيلوغرامات، وتنقلت بين عدة سجون، وتعرضت للخداع والضرب والإذلال، خصوصًا أثناء نقلها مع فرقة “نحشون”، قبل أن تصل إلى سجن الدامون حيث التقت بالأسيرات، وتقول: “الأسيرات احتضننني وحوّلن السجن إلى مدرسة صمود، لكن العقاب والضرب والعزل والإهمال الطبي لم يتوقف”.

وتذكر أنها نُقلت لاحقًا إلى سجن الرملة، حيث سقطت بعد دفعها على الدرج، وعاشت في زنزانة مليئة بالحشرات وتحت مراقبة الكاميرات حتى داخل المرحاض، ثم عُرضت على محكمة اللد دون محامٍ وواجهت اتهامات كاذبة، وتقول: “قلت للقاضي إنني بريئة وإن أبي بريء”.

وتختتم الهمص شهادتها بالإشارة إلى أن الإفراج عنها تم بصورة مفاجئة حين ناداها السجان فجرًا، حيث جرى تقييدها ونقلها إلى معبر كرم أبو سالم، ثم فُكّت قيودها وقيل لها: امشي ولا تلتفتي، قبل أن يتسلمها الصليب الأحمر، وتقول: “عانقت أهلي وبكيت، فرحت لكن فرحتي لم تكتمل، حضن أبي لم يكن هناك، خرج جسدي وبقي قلبي خلف القضبان، ولن تكتمل حريتي إلا يوم يعود أبي إلى البيت… حتى ذلك اليوم”.

هذا ويذكر أن عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين بلغ حتى كانون الثاني/ يناير الجاري نحو 9300 أسيرا ومعتقلا، منهم 1300 أسيرا محكوما، ومن بينهم 51 أسيرة و350 معتقلا طفلا و3200 معتقلا إداريا و1250 معتقلا تحت قانون المقاتل غير الشرعي، وجميع هؤلاء من قطاع غزة المعتقلين بعد السابع من أكتوبر 2023 ويتعرضون لأبشع وسائل القهر والإذلال من قبل السجان الإسرائيلي، وتعاني الأسيرات بشكل مضاعف بفعل القوانين الإسرائيلية الجائرة بحقهن وضعف الاهتمام الرسمي والشعبي بأوضاعهن وظروف اعتقالهن.