الأسيرات في سجن الدامون.. معاناة تتفاقم بين الإهمال الطبي والقمع اليومي

تتفاقم معاناة الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون شمالي فلسطين بصورة غير مسبوقة، في ظل ظروف احتجاز قاسية تتداخل فيها سياسات التجويع والإهمال الطبي مع القمع اليومي وانتهاك الكرامة الإنسانية، حيث تتحول تفاصيل الحياة داخل السجن إلى معاناة مركبة تمس الجسد والنفس والهوية، وتضع الأسيرات في مواجهة مستمرة مع واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.

ويصدر المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى في هذا السياق تقريراً صحفياً موسعاً، يؤكد فيه أن ما يجري داخل السجن يشكّل نموذجاً صارخاً لانتهاكات وجرائم مركبة تتجاوز حدود الاعتقال لتصل إلى مستوى الاستهداف الممنهج لكرامة النساء الفلسطينيات وحقوقهن الأساسية، في ظل تصاعد غير مسبوق منذ السابع من أكتوبر، حيث تتدهور أوضاع الأسيرات بشكل حاد وتتحول حياتهن اليومية إلى سلسلة متواصلة من المعاناة داخل بيئة مغلقة تُدار بمنطق العقاب الجماعي والانتقام.

ويبيّن المركز أن عدد الأسيرات داخل سجن الدامون يقدّر بنحو 90 أسيرة، ويضيف أن حملات الاعتقال المتواصلة تطال مئات النساء، إذ يتجاوز عدد المعتقلات منذ بدء الحرب على غزة 800 حالة، ويرى أن هذه الأرقام تعكس اتساع دائرة الاستهداف لتشمل مختلف الفئات، بما في ذلك الأمهات والطالبات والقاصرات.

ويرى المركز أن الاكتظاظ داخل الزنازين يعد من أبرز مظاهر المعاناة اليومية، إذ تتكدس الأسيرات في غرف ضيقة تفوق قدرتها الاستيعابية، ويؤكد أن هذا الواقع يجبر العديد منهن على النوم على الأرض في ظل غياب الأغطية ونقص الأسرّة، كما يلفت إلى انعدام التهوية وإغلاق النوافذ بوسائل تحد من دخول الهواء، ويعتبر أن هذه الظروف تحول الزنازين إلى مساحات خانقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ويضيف أن تردي مستوى النظافة نتيجة سحب أدوات التنظيف يؤدي إلى انتشار الأمراض الجلدية وتفاقم الأوضاع الصحية .

ويلفت المركز إلى أن إدارة السجون تمارس سياسة تجويع ممنهجة، ويشير إلى أن الطعام المقدم للأسيرات قليل ورديء ولا يحتوي على العناصر الغذائية الأساسية، ويقول إن هذا الواقع يحرمهن من اللحوم والخضروات لفترات طويلة، ما يؤدي إلى فقدان الوزن بشكل ملحوظ، ويضيف أن منع الطهي أو تسخين الطعام يجبر الأسيرات على تناول وجبات باردة أو غير صالحة، ويرى أن ذلك يندرج ضمن سياسة إهمال متعمد تهدد صحتهن بشكل مباشر .

ويؤكد المركز أن إدارة السجن تتعمد حرمان الأسيرات من المياه النظيفة، ويشير إلى أن تزويدهن بمياه غير صالحة للشرب يدفع بعضهن لاستخدام مياه ملوثة، ويضيف أن ذلك يزيد من خطر الإصابة بالأمراض، كما يوضح أن 21 أسيرة يعانين من أمراض مختلفة من بينها السرطان دون تلقي العلاج اللازم، ويعتبر أن الاكتفاء بمسكنات بسيطة يعكس مستوى خطيراً من الإهمال الطبي المتعمد.

وفي سياق متصل، يشدد المركز على أن تركيب كاميرات مراقبة داخل الغرف يشكل انتهاكاً صارخاً للخصوصية، ويؤكد أن هذا الإجراء يحرم الأسيرات من أي مساحة إنسانية خاصة، ويضيف أنه لا يقتصر على المراقبة بل يستخدم كوسيلة ضغط نفسي وإذلال مستمر، ويرى أن هذا السلوك يعكس سياسة ممنهجة تستهدف كرامة الأسيرات.

ويشير المركز إلى أن منع الأسيرات من ممارسة شعائرهن الدينية يعد من أخطر أشكال الانتهاك، ويؤكد أن حرمانهن من الصلاة الجماعية وصلاة الجمعة وتقييد شعائر رمضان ومنع مظاهر الأعياد يمثل استهدافاً مباشراً لهويتهن الدينية، ويرى أن هذه الإجراءات تهدف إلى كسر الروح المعنوية وفرض عزلة روحية موازية للعزل الجسدي.

ويقول المركز إن التحقيق مع الأسيرات يتم في ظروف قاسية ومهينة، ويشير إلى أن أساليب التحقيق تعتمد على الضغط النفسي والجسدي، ويؤكد أن هذه الممارسات تتسم بالسادية والعنف وتشمل التهديد والإهانة والتفتيش المهين، ويعتبر أن هذه البيئة تفتقر لأي ضمانات قانونية أو إنسانية، ويعد ذلك انعكاساً لمنهج قمعي منظم.

كما يحصل المركز على إفادات تفيد بتعرض العديد من الأسيرات لعمليات تفتيش عارٍ بشكل جماعي، ويؤكد أن إجبارهن على التعري أمام بعضهن والاعتداء عليهن عند الرفض، إضافة إلى التهديدات بالاعتداء الجنسي، يشكل انتهاكاً خطيراً يمس الكرامة الإنسانية، ويرى أن هذه الممارسات تمثل خرقاً واضحاً لكافة المواثيق الدولية.

ويلفت المركز إلى أن سياسة العزل تتجاوز حدود الزنازين، ويشير إلى الفصل المتعمد بين الأسيرات خاصة أسيرات غزة، ويؤكد أن ذلك يحرمهن من التواصل مع بقية الأسيرات، ويضيف أن نقل بعضهن بوسائل مهينة يعمق الشعور بالإذلال، ويرى أن هذه الإجراءات تهدف إلى تفكيك أي شكل من أشكال التضامن داخل السجن.

وفي الجانب القانوني، يؤكد المركز أن المحاكم الإسرائيلية تتواطأ في تكريس هذه الانتهاكات، ويشير إلى أنها تثبت أوامر الاعتقال وتحرم الأسيرات من حقوقهن الأساسية، ويقول إن جلسات المحاكمة السريعة لا تتيح لهن الدفاع عن أنفسهن، ويضيف أن رفض طلبات الزيارة يحرمهن من رؤية أطفالهن أو التواصل مع أزواجهن، ويرى أن ذلك يشكل عقوبة إضافية تمس الحياة الأسرية بشكل مباشر.

ويؤكد المركز أن تكرار الاعتقال الإداري بحق النساء يمثل تطوراً خطيراً، ويشير إلى إعادة اعتقال أسيرات بعد الإفراج عنهن، ويعتبر أن ذلك يحول الاعتقال الإداري إلى أداة دائمة للسيطرة، ويضيف أن 25 أسيرة ما زلن رهن الاعتقال الإداري دون تهمة، ويرى أن هذا المسار يعكس تصعيداً واضحاً في استهداف النساء بسبب آرائهن.

وتجدر الإشارة هنا إلى سياسة الاعتقال الإداري المنتهجة من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وهي سياسة عقابية تستخدمها لاحتجاز الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة، استنادًا إلى ما يسمى “الملف السري” الذي يُحرم المعتقل ومحاميه من الاطلاع عليه أو معرفة مضمونه، ويعيش المعتقلون الإداريون في السجون الإسرائيلية واقعًا قاسيًا من القلق المتواصل بفعل تجديد أوامر اعتقالهم مرارًا لأشهر وسنوات دون مسار قضائي عادل، فيما تتواطأ المحاكم الإسرائيلية مع هذه السياسة عبر المصادقة شبه الدائمة على أوامر الجيش وتحويل الرقابة القضائية إلى غطاء قانوني للاعتقال التعسفي، ولا تستثني هذه الجريمة الأسيرات الفلسطينيات، إذ تطال نحو 40 أسيرة معتقلة إداريًا من أصل قرابة 90 أسيرة، بما يضاعف معاناتهن في ظل ظروف احتجاز قاسية وحرمان مستمر من أبسط الضمانات القانونية والإنسانية، حتى بلغ عدد المعتقلين الإداريين مع بداية أيار/مايو الجاري نحو 3500 معتقل، في مؤشر خطير على اتساع جريمة الاعتقال بلا تهمة ولا محاكمة.

ويشير المركز إلى أن 40 أسيرة أم لديهن أكثر من 135 طفلاً، ويؤكد أن حرمانهن من رؤية أطفالهن يعمق معاناتهن، ويقول إن الأطفال يكبرون بعيداً عن أمهاتهم في ظل انقطاع شبه كامل عن العالم الخارجي، ويضيف أن منع الزيارات وغياب وسائل التواصل يزيد من العزلة النفسية، ويرى أن هذا الواقع يشكل ضغطاً إنسانياً مضاعفاً.

 

وتُعدّ قضية المعتقلة إداريا أمينة شاهر الطويل شاهدًا حيًا على قسوة الاعتقال الإداري بحق الأسيرات الفلسطينيات، إذ اعتُقلت وهي حامل، ووجدت نفسها خلف القضبان دون تهمة واضحة أو محاكمة عادلة، في ظروف تضاعف معاناتها الإنسانية والصحية وتترك عائلتها وأطفالها في دوامة القلق والانتظار، كما تكشف قصتها كيف يتحول الملف السري إلى أداة لانتزاع المرأة من بيتها وحرمانها من أبسط الضمانات القانونية والإنسانية.

ويختتم المركز بالتأكيد على أن ما يجري داخل سجن الدامون لا يمكن فصله عن سياق أوسع يستهدف المرأة الفلسطينية، ويشير إلى غياب الرقابة الدولية الفاعلة، ويؤكد أن استمرار هذه الانتهاكات يمثل تحدياً مباشراً للقانون الدولي الإنساني، ويشدد على ضرورة تحرك دولي عاجل لوقف هذه الممارسات وضمان الإفراج عن الأسيرات وتمكينهن من حقوقهن الأساسية، ويرى أن ما يجري يشكل جريمة مستمرة بحق الإنسانية .